قوله: (ويوم يعض الظالم على يديه) (يعض) بفتح العين، وهو مضارع عضّ، من العض - وهو كناية عن شدة الغيظ والحسرة 17 وقيل: مجاز، عبّر به عن التحير والاغتمام والندم والتفجع من شدة ما يجده من الأهوال - واللام في الظالم للعهد، والمراد به عقبة بن أبي مُعيط - هذا التاعس الظلوم الذي آذى رسول الله (ص) أشد إيذاء فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام:"لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف"فقتل يوم بدر صبرا؛ إذ أمر عليا فضرب عنقه.
وقيل: اللام للجنس، ليشمل اللفظ عموما الظالم - فأيما مشرك زاغ عن طريق الله واستنكف عن منهجه الحكيم العدل فقد ظلم نفسه وهو من الظالمين - وكذلك الذي يوشك أن يهتدي ويجنح إلى الإسلام ثم يفتنه غيره من المجرمين المضلين ليغويه ويضله عن الحق؛ فإنه في زمرة النادمين يوم القيامة الذين يعضون على أيدهم من فرط ما يجدونه من شديد الحسرة والحزن والندم والخسران.
قوله: (يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا) الجملة في موضع الحال؛ أي قائلا يا ليتني - والمعنى: أن الظالم الذي خسر نفسه يوم القيامة وأيقن أنه من أهل النار، يتمنى حينئذ لو سلك طريق الرسول (ص) وهو الإسلام فيكون مع المفلحين الآمنين الذين يصيرون إلى السلامة والنجاة - وهذه هي حال الأشقياء الخاسرين يوم القيامة الذين غرتهم الحياة الدنيا بلذائذها وزخارفها، وغرهم الشيطان من الجن والإنسان؛ إذ سوّل لهم الكفران والعصيان وفعل المنكرات.
قوله: {يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا} وقرئ (يا ويلتي) ، بالياء وهو الأصل - وذلك أن الرجل ينادي: ياويلته - وهي هلكته، يقول لها: تعالي فهذا أوانك (ليتني لم أتخذ فلانا خليلا) وسواء كانت أل للعهد أو للجنس، فالمراد الذي صرف هذا الخاسر النادم عن دين الله ففتنه فتنة ساقته إلى الضلالة والمعصية ثم أودت به إلى النار وسوء المصير - وحينئذ تجتاحه الحسرة والندامة، متمنيا- دون جدوى- أن لو لم يتخذ هذا المضل الذي أضله وأغواه (خليلا) أي جليسا وصديقا.
قوله: (لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني) يقول في ندامة وتحسر وإياس: لقد أغواني المضلون من شياطين الجن والإنس؛ إذ أعموني عن الذكر وهو القرآن أو الإسلام بعقيدته السمحة وتشريعه الكامل ومُثُله وقيمه وتعاليمه الجليلة في الأخلاق والسلوك - أعماني الشيطان من الجن والإنس عن حقيقة الإسلام بعد أن جاءني من الله، وذلك بما سوّله لي من مناهج الكفر والباطل فأضلني إضلالا موبقا.
قوله: (وكان الشيطان للإنسان خذولا) من الخذلان وهو التخلي عن الخاسر في المهالك بعد إضلاله - وذلك هو ديدن الشيطان من الجن والإنس؛ فإنه يفتن الإنسان المغرور المضلل بمختلف الأساليب حتى إذا أغواه وأودى به في الخسران والمهالك تركه وحيدا يلاقي مصيره التاعس المظلم 18.