قوله: {وأوحي إلي هذا القرءان لأنذركم به ومن بلغ} أوحي مبني للمجهول - القرآن نائب فاعل مرفوع - من اسم موصول في محل نصب معطوف على المنصوب في {لأنذركم} أي قل لهؤلاء المشركين أن الله أوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به عقابه وكذلك أنذر به من بلغه من سائر الناس غيركم، فإن لم تهتدوا أنتم وهم بهديه وتتخذوه شرعة لكم ومنهاجا فلسوف يحل عليكم سخط الله ومقته ونقمته.
قوله: {أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى} الهمزة الأولى في قوله {أئنكم} للاستفهام - وهو استفهام تقريع وتوبيخ - أي قل لهؤلاء المشركين الذين يعدلون بالله ربا سواه من الآلهة المصطنعة والأنداد المختلقين: أئنكم أيها المشركون الجاحدون تشهدون أن مع الله معبودا غيره من الأوثان والأصنام - وقال: {أخرى} ولم يقل أخر - لأن الألهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث.
قوله: {قل لا أشهد} أي قل لهم: لا أشهد بما تشهدون أن مع الله آلهة أخرى بل إني أجحد ذلك وأنكره.
قوله: {قل إنما هو إله واحد} اتصلت ما بإن فكفتها عن العمل - هو في محل رفع مبتدأ - إله خبره - واحد، صفة للخبر - أي إنما هو معبود واحد لا شريك له - وليس من شيء في الكائنات إلا هو مستسلم لجلاله ووجل من سلطانه وجبروته - ومخبت لعزه وعظمته.
قوله: {وإني برئ مما تشركون} أي أبرأ من كل شريك تعبدونه مع الله وتصطنعون له الإلهية المختلقة فإني أربأ بنفسي من مثل ما تختلقون من الأنداد فإني لا أعبد شيئا من ذلك - إنما أعبد الله الذي خلق كل شيء 21.
قوله تعالى: {الذين ءاتينهم الكتب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون} .
الاسم الموصول {الذين ءاتينهم} في محل رفع مبتدأ - وخبره {يعرفونه} وكذلك الاسم الموصول {الذين خسروا} مبتدأ - وخبره {فهم لا يؤمنون} 22.
والمراد بالموصول هنا اليهود والنصارى - والمراد بالكتاب، التوراة والإنجيل - فكلا الفريقين من أهل الكتاب يعرفون أن محمدا صلى الله عليه وسلم مرسل من ربه - ويعرفونه تمام المعرفة مثلما يعرفون أبنائهم - فقد وجدوه مكتوبا عندهم في كتابهم وذلك من حيث اسمه ومولده وصفته ومهاجره - لكنهم بجحودهم وإنكارهم وتكذيبهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم باءوا بالهلاك والخسران، إذ أوردوا أنفسهم موارد الخزي وسوء المصير حيث النار يصلونها وبئس القرار.
قوله تعالى: {ومن أظلم مم افترى على الله كذبا أو كذب بئايته إنه لا يفلح الظلمون (21) ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون (22) ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين (23) انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} .
افترى، من الافتراء وهو الاختلاق - والفرية تعني الكذب 23 وقوله: {ومن أظلم ممن افترى} الآية - يعني من أشد خطيئة ممن اختلق من نفسه على الله باطلا، فزعم أن له شريكا مما خلق، أو اتخذ معه إلها يعبد من دونه أو ادعى أن له ولدا أو صاحبة {أو كذب بئاياته} أي أنكر حججه ودلائله التي عزز بها أنبياءه المرسلين فكذب بها اليهود والنصارى - لا جرم أن هؤلاء لا يفلحون ولا ينجون من سخط الله وغضبه، بل إنهم في العذاب هاوون مكبكبون.