فهرس الكتاب

الصفحة 545 من 2536

الثالث: المقصود بالاستغفار هو ما كان على طريق التسبيح - والمسلم شأنه دائما أن يستغفر الله وذلك من قبيل التسبيح حتى لو لم يكن قد قارف ذنبا - ومن باب الخضوع والإقرار لله بالعبودية والامتثال يظل المسلم في تسبيح دائم لا ينقطع - وقيل غير ذلك.

قوله: (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما) ذلك نهي عن المجادلة عن الخائنين الذين يخونون أنفسهم بإزلاقها في مزالق الافتراء والبهتان فضلا عن الحرام والسحت الذي يقتات به هؤلاء الفسّاق - والجدال والمجادلة من الجدل وهو لغة الفتل - والجدالة هي الأرض، وربط ذلك بكل من الخصمين؛ لأن كلا منهما يودّ جاهدا أن يطرح خصمه على الأرض مقهورا - ولا غرو فإن الله تباركت أسماؤه لا يرضى عن الخوّان وهو المغالي في الخيانة وفعل الحرام والذي لا يتورع عن ممارسة كل محظور أو خطيئة.

قوله: (وكان الله بما يعملون محيطا) المقصود بذلك هم المنافقون بما فيهم سارق الدرع والذين خفّوا ينافحون عنه أمام النبي (ص) - وذلك تنديد بهؤلاء الخائنين المنافقين الذين يفترون الكذب ويسعون في نشاط لطمس جريمتهم وخيانتهم كيلا يطّلع عليها الناس - فهم لا يعبأون بغير النجاة من الناس ولا يتورعون عن ارتكاب المعصية إذا ما غابت عنهم الأبصار - وليس في استخفائهم من الناس وهم يطمرون كل معالم السرقة الحاصلة إلا الدلالة على أنهم يستحيون من البشر ولا يستحيون من الله - والأصل الذي ينبغي أن يكون هو الاستحياء من الله مع التحرر الكامل من كل سلطان للأرض على الإنسان في خلقه وطبعه وأعصابه.

إن الأصل الذي ينبغي أن يكون، هو أن يبادر هؤلاء في الكشف عن الحقيقة من غير مواربة وافتراء ومن غير كذل وتحيل وليكن بعدها ما يكون مادام التوجه في القلب والوجدان والمشاعر إلى الله وما دامت السميرة تمضي في خط الله وفي ظله - أما أن يستخفي هؤلاء من الناس استحياء منهم من غير أن يخشوا ربهم ويستحيون منه فذلك هو الضعف الغامر الذي يؤول في الغالب إلى شر مفسدة وهو النفاق.

وعلى المرء أن يعلم في كل آن أن الله معه يسمع ويرى ويعلم كل ما يصدر عنه من حركة أو سكنة ليشمل ذلك كل همسة أو نبسة وكل خلجة أو خفقة، كل ذلك يعلمه الله سبحانه وهو المطلع على الخفايا وما تكنه النوايا والقصود - إن الله مطلع على هؤلاء الذين لا يخجلون منه ويخجلون من عباده، وهو كذلك رقيب عليهم من حيث أعمالهم وأقوالهم جميعا وهو سبحانه شاهد عليهم حيثما كانوا أو وهم (يبيتون ما لا يرضى من القول) أي يقولون ويأتمرون فيما بينهم بياتا والناس تغطيهم هجعة الليل الساكن، فهم يأتمرون بالإسلام وأهله لينالوا منهم شرا.

هؤلاء المتأرجحون الذين اختانوا أنفسهم يتهددهم الله في وعيد مكشوف بقوله: (وكان الله بما يعملون محيطا) فالله عز وجل محيط عمله وهيمنته وجبروته بهذا الصنف من البشر حتى لا تخفى منهم عليه خافية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت