والله جل وعلا يغفر إن شاء ويعذب إن شاء وهو سبحانه يقضي بالحق ولا معقب لقضائه، وذلك بما له من مطلق الإرادة وبالغها، ومن تمام الهيمنة وكاملها وهو سبحانه كما قال عن نفسه في آخر الآية في أجمل وصف وأكمله: (والله عل كل شيء قدير) .
قوله تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) ذلك إخبار من الله يثني فيه على الرسول (ص) وعلى أمته من بعده؛ ولذلك عطف بقوله: (والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته - -.) والإيمان هو التصديق القائم على اليقين - فقد آمن النبي الكريم عليه السلام وآمن معه ومن بعده المؤمنون - آمنوا جميعا بأركان هذه العقيدة التي بينتها الآية وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله.
وقوله: (لا نفرق بين أحد من رسله) وذلك ثناء آخر عل المؤمنين في هذه الأمة - وهو أن المؤمن لا يفرق بين الرسول كما فعلت اليهود والنصارى الذين آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، بل إن المؤمن من هذه الأمة لا يَصدق إيمانه إلا أن يؤمن بالنبيين والمرسلين أجمعين دون تفريق بينهم في الإيمان.
ومن شأن المؤمنين الصادقين المختبتين أن يسمعوا كلام الله ويبادروا بالطاعة دون تخلف، ومن شأنهم كذلك أن يتوسلوا إلى ربهم بالدعاء المتذلل ليغفر لهم خطاياهم وفي ذلك يقول سبحانه: (وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) (غفرانك) مفعول مطلق منصوب بفعل محذوف تقديره اغفر (المصير) المرجع والمآب وذلك يوم القيامة.
286 - (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
قوله: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) هذه الآية هي إحدى الأمهات الكبريات التي تقوم عليها شريعة الإسلام - وهي سبب من أسباب الصلاح الذي يتجل في هذه الشريعة القائمة على الحنيفية السمحة أو السهولة واليسر؛ كيلا يكون في الإسلام ضيق أو إعنات أو حرج كالذي كانت عليه الشرائع قبل الإسلام.
وفي الآية بيان بأن الله جل وعلا غير مكلف أحدا من العباد بما لا يطيق، والوسع معناه الطاقة أو حجم الاقتدار للإنسان - فما كان فوق طاقة الإنسان مما يفوق حجم قدرته فهو غير مكلف به - وقد يكون التكليف بما يتضمن مشقة على أن يكون ذلك محتملا أو في حدود المقدور للإنسان.