قوله: (وجعلنا ابن مريم وأمه آية) أي جعلنا عيسى وأمه مريم برهانا ودليلا على قدرتنا البالغة، على الإنشاء والخلق من غير أصل كما خلقنا عيسى من غير أب - لقد كان في قصة عيسى عليه السلام وخلقه من غير أب آية بينة ساطعة على أن الله لهو الخالق البديع المقتدر، الذي لا يعز عليه صنع شيء.
قوله: (وآويناهما إلى ربوة) أي صيرناهما إلى مكانا مرتفع من الأرض - وقيل: المراد به الرملة من فلسطين - وقيل: بيت المقدس، وقيل: دمشق 22.
قوله: (ذات قرار ومعين) القرار، المكان المستوي - والمعين، يعني الماء الظاهر.
قوله تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم (51) وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (52) فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون (53) فذرهم في غمرتهم حتى حين (54) أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (55) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (56) }
خوطب كل نبي بهذه المقالة - فهذه هي طريقة النبيين التي ينبغي أن يكونوا عليها من أكل الطيبات، والمراد بها الحلال الذي طيبه الله وأن يجتهدوا ما استطاعوا لعمل الصالحات - فإن الله مطلع على أخبارهم وأفعالهم، رقيب على ما يعملون - وعلى المؤمنين أن يجتنبوا أكل الحرام؛ فإن مرتعه وخيم ولا يصير بصاحبه إلا إلى جهنم ليكون زاده من النار.
فقد ثبت في صحيح مسلم والترمذي ومسند أحمد عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (ص) :"يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم) وقال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، فأنى يستجاب لذلك".
قوله: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة) إن، بالكسر على الابتداء والاستئناف وتقرأ أيضا بالفتح على أنها منصوبة بفعل مقدر وتقديره: واعلموا أن هذه أمتكم - و (أمة واحدة) ، منصوب على الحال؛ أي هذه أمتكم مجتمعة - وتقرأ بالرفع على أنها بدل من (أمتكم) التي هي خبر إن - أو أنها خبر لمبتدأ محذوف، وتقديره: هي أمة واحدة 23.
والمراد بالأمة هنا، الملة أو الدين - أي أنكم جميعا، ملتكم واحدة ودينكم واحد وهو التوحيد الخالص لله، ووجوب الإذعان لجلاله بالانقياد والامتثال؛ فهو سبحانه وحده المعبود، ليس له شريك ولا نديد ولا نظير.
قوله: (وأنا ربكم فاتقون) الفاء لترتيب الأمر بالتقوى على كون الله مختصا بالربوبية؛ أي لا تفعلوا ما يقتضي عقابكم بمخالفتكم أمري؛ بل خافوا عقابي والتزموا أحكامي وشرعي.
قوله: (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا) أي أن أمم الأنبياء قد افترقوا؛ إذ جعلوا دينهم الواحد أديانا، وملتهم الواحدة مللا، بدلا من اجتماعهم مؤتلفين على الدين الحق الواحد، وملة التوحيد الخالص لله.