وقيل: (فما أصبرهم على النار) أي ما أدومهم وأطول بقاءهم في النار وقيل: ما تفيد الاستفهام ومعناه التوبيخ - وقيل: تعني الاستهانة والاستخفاف بهم.
وقوله: (ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد) يراد باسم الإشارة (ذلك) العذاب أو الحكم بالنار - والتقدير هو: ذلك العذاب أو النار لهؤلاء الكافرين؛ لأن الله قد نزل كتبه بالحق - فهي ذاتها حق وهي إنما تنطوي على الحق وتدعو إليه - فقد جاء في تلك الكتب خبر النبي محمد (ص) والأمر بتصديقه وتأييده إلا أن أهل الكتاب كتموا ما ورد من خبر في كتابهم، ونفوا عنه صفة النبوة، وأنكروا حتى مجرد ذكره في التوراة.
أولئك هم الكافرون المكذبون الذين اختلفوا في الكتاب بتكذيبهم النبي محمدا (ص) وبإعلانهم جهارا أنه لم يرد ذكره في الكتاب - إن هؤلاء الجاحدين المعاندين (لفي شقاق بعيد) والشقاق أو المشاقة بمعنى المخالفة - نقول: شاقه شقاقا أي خالفه مخالفة - وحقيقة ذلك أن يأتي كل من المتخالفين بما يشق على صاحبه، فيكون كل منهما في شق غير شق صاحبه.
177 - (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)
وقوله تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون)
(البر) اسم جامع للخير - وهو منصوب على الخبرية لليس - والمصدر المؤول من أن والفعل في محل رفع اسم ليس - والتقدير: ليس البر توليتُكم 172.
وقد ورد في سبب نزول الآية أن أهل الكتاب وبعض المسلمين قد شق عليهم أن يغيروا قبلتهم التي كانوا عليها وهي بيت المقدس ثم يتوجهوا بعدها إلى مكة القبلة الجديدة - لقد غضب اليهود من ذلك أشد الغصب واستاءوا بذلك كثيرا - وكذلك قد ارتاب فريق من المسلمين من ضَعَفَةِ الإيمان وكأن البرّ والإيمان والإحسان كله محصور في شكل التوجه إلى جهة من الجهات، سواء كانت شرقا أو غربا - فليس البر في التوجه نحو مشرق أو مغرب إن كان ذلك عن غير أمر من الله - ولكن البر كما شرحته الآية هو الإيمان الصحيح الأوفى الذي يأتي مقتران بالعمل الصحيح المشروع.
ما قيمة التوجه صوب جهة من الجهات مادام ذلك شكليا بحتا وغير قائم على العقيدة الواعية الراسخة، وغير مقترن بالعمل النافع المشروع - ليس الإسلام قائما على التعصب لمتشنج أو الشكلية الخاوية من المضمون - ولا هو بالدين الذي يعتمد طقوسا شكلية بلهاء تتلقاها الأجيال كابرا عن كابر دون وعي أو إدراك أو تبصر.