ولكن الإسلام دين الفطرة والعقل - وهو طريقه الوحي المنزل من السماء الذي يحمل للأرض معالم الهداية والرشاد ليثوب الناس إلى ربهم وليمضوا في طريقه، طريق الحق والعدل والنور، طريق الهداية والفضيلة والعمل المخلص النافع.
وها هي الآية الكريمة تبين حقيقة البر الذي ينفع الناس والذي يقودهم إلى الخير ومرضاة الله، فقال سبحانه: (ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين وآتى المال على حبه - -.) ذلك هو البر الصحيح المقصود - وليس هو التوجه نحو شرق أو غرب دون ترشيد من الله إلا التعصب والاستعصام بالشكليات غير الواعية.
إن البر هو الإيمان بالله أولا - فإن الله جل شأنه حق يملأ الوجود كله - وما من ظاهرة في هذا الكون ولا حقيقة أو معلوم أو خليقة من خلائق الأحياء وغير الأحياء إلا ويشهد في سطوح مكشوف على وجود الله وعلى عظمته وجلاله وهيمنته المطلقة.
وكذلك يوم الآخر - وهو يوم حافل ورهيب ومشهود تتلاقى فيه البشرية كافة وتجتمع فيه الأحياء جميعا - وفي هذا اليوم الشديد تلاقي كل نفس ما قدمت من عمل - وإذ ذاك لا مناص لكل امرئ من مواجهة مصيره المرتقب تبعا لما قدم في الدنيا - وحينئذ لا تنفع أحد شفاعة ولا تنجيه من العذاب خُلة كان يعقدها في الدنيا مع عظيم أو رئيس أو ذي مكانة وصولجان - بل إن هذه ساعة الفزع الأكبر التي تغيب فيها الوساطات والعلائق والشفاعات - وما من إنسان حينئذ إلا وهو حائر واجف مرتعب لا يلوي من خلفه أو خلفه أو حوله على شيء.
وكذلك الإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين - وهذه أركان ثلاثة أخرى من أركان العقيدة في هذا الدين الكبير - فإنه لا قوام لا إيمان امرئ إلا أن يستوفي في نفسه أركان هذه العقيدة الستة وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيرهما وشرهما.
ولا يكتمل البر تماما إلا بالعمل كذلك، فإنه لا يكفي أن تتركز في النفس معاني الإيمان إلا أن يقترن بعمل الصالحات، وهي في قوله: (وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب) ، فإن من تمام البر إعطاء المال مع الحاجة إليه أو الرغبة فيه لذوي القربى والآخرين الذي بينتهم الآية - والمال منصوب على المفعولية - (ذوي) منصوب بالياء؛ لأنه مفعول ثان للفعل (آتى) أي أعطى - وبذلك فإن شبه الجملة- (على حبه) - تأتي معترضة؛ لما في ذلك من تبيين لتمام البر الذي يكون عند إعطاء المال مع الرغبة فيه أو الحاجة إليه - فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعا:"أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر."
وفي حقيقة المال الذي يُقدم على حبه خلاف - فقد قيل: إن المراد بهذا المال الزكاة - وفي قول ثان: إن المراد ما كان من مال يؤدي غير الزكاة - وذلك هو الصواب - فقد أخرج الدارقطني عن فاطمة بنت قيس قالت: قال رسول الله (ص) :"إن في المال حقا سوى الزكاة"ثم تلا هذه الآية (ليس البر أن تولوا وجوهكم) ويشبه ذلك أيضا قوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) وقوله سبحانه: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) .
وقوله كذلك في آية أخرى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) - قوله: (ذوي القربى) هم أقرباء الرجل - فهم أولى بالبر والعطايا خصوصا إذا كانوا محاويج معوزين - فقد جاء في الحديث:"الصدقة على المساكين صدقة، وعلى ذوي الرحم اثنتان: صدقة وصلة، فهم أولى الناس يبرك وإعطائك".