قوله تعالى: {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يحسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون} أي باء بالهلاك والخسران أولئك الذين أنكروا البعث بعد الموت وكذبوا بلقاء ربهم حيث الجزاء والحساب {حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة} وسميت القيامة بالساعة لسرعة الحساب فيها على الله تعالى - وبغتة، منصوب على الحال - وقيل: مصدر في موضع الحال - وقيل غير ذلك 37 - والمراد إذا بغتتهم الساعة مباغتة - كشأنها، إذ تفجأ الناس فجاءة وهم لاهون غافلون - {قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها} الحسرة: التلهف والندامة - أي يا ندامتنا ولوعتنا على تفريطنا في العمل بطاعة ربنا ونحن في الدنيا - والتفريط معناه التقصير في الشيء مع القدرة على فعله - وقيل: معناه التضييع 38.
قوله: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} الواو للحال - أي قالوا: يا حسرتنا في حالة حملهم أوزارهم - والحمل هنا مجاز عما يقاسونه من العذاب - وقيل: هو حقيقة - والأوزار جمع وزر - وهو الأصل بمعنى الثقل - ومنه وزرته أي حملته شيئا ثقيلا - وكذا الوزير، لأنه يحمل أثقال ما يسند إليه من تصريف شؤون الناس - والمعنى أنهم لزمتهم الآثام والمعاصي بأحمالها الثقال فيبعثون بها محملة على ظهورهم {ألا ساء ما يزرون} أي ما أسوأ وأقبح الشيء الذي يحملونه 39.
قوله تعالى: {وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الأخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون}
الحياة مبتدأ - ولعب خبره واللعب: ما يشغل النفس عما تنتفع به - وقيل: ما يشغل الإنسان عما يغنيه ويهمه - واللهو: صرف النفس من الجد إلى الهزل 40.
وذلك رد وتقبيح لما يتصور الكافرون في قولهم: {إن هي إلا حيتنا الدنيا} فالله يبين لهم أن هذه الحياة الزائلة السريعة بكل ما حوته من لذائذ ونعم ومباهج وزخارف ليست إلا لعبا تنشغل به النفوس فتذهل عن وجائبها الكبرى - أو هي لهو يهيم خلاله الساهون اللاهون فترة من زمان لتؤول بعد ذلك إلى زوال محتوم يأتي عقيبه فجائع جسام وأهوال مريعة عظام تنتظر الآثمين الذين استعاضوا عن الآخرة بلعاعة الدنيا الفانية.
قوله: {وللدار الأخرة خير للذين يتقون} اللام الأولى لام الابتداء واللام الثانية للتعريف - والدار مبتدأ وخبره {خير} 41 يبين الله سبحانه أن الدار الآخرة بنعيمها المستديم الباقي وبكل ما حوته من ضروب الخير والنعمة والجمال مما يظل على الدوام سرمدا فلا يفنى ولا يزول - ولا يأتي عليه مرور الأدهار والسنين - لا جرم أن ذلك خير من الدنيا القاصرة العاجلة التي تمر مر السحاب وتغرر ببريقها المخادع تغرير السراب - إذ ذلك خير للذين يتقون الله، إذ يخشونه حق الخشية ويخافون جلاله وسلطانه خوفا يحفزهم لعمل الطاعات ويحول بينهم وبين السيئات والخطيئات.
وقوله: {أفلا تعقلون} يعني أفلا يعقل هؤلاء المكذبون بيوم القيامة، السادرون في الغي واللهو، المدبرون عن طاعة الله - حقيقة ما نبينه لهم من أن الحياة الدنيا قصيرة وفانية وأنها مجرد لهو تنشغل به الأذهان والقلوب عن طاعة الله وعن فعل الخيرات والطاعات - وها هم يرون بأعينهم ويدركون بإحساسهم أن الناس جميعا ميتون فرادى وجماعات - وأنه ما من موجود حي إلا ويأتي عليه داهم الموت المحقق أفلا يدّكرون أو يتدبرون مثل هذه الحقيقة؟!