قوله: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} سخر الله الجبال مُسبِّحة مع داود عند إشراق الشمس وفي آخر النهار، فكان داود إذا ذكر الله ذكرت معه الجبال - وكان عليه الصلاة والسلام يفقه تسبيح الجبال - ويستدل من قوله: {بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} على صلاة الضحى؛ فقد روي عن ابن عباس قوله: لقد قرأت ما بين اللوحين ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن - على أن صلاة الضحى نافلة مستحبة وأقلها ركعتان - وقيل: واحدة، وهي تؤدى في الغداة عند ابيضاض الشمس عقب طلوعها وإشراق نورها - وفي صحيح مسلم: عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"صلاة الأوابين حي ترمَض الفصال"والفصال والفصلان جمع فصيل، وهو الذي يفطم من الرضاعة من الإبل - والرمضاء شدة الحرِّ في الأرض.
وفضل صلاة الضحى عظيم وأجرها كبير - وفي ذلك روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من حافظ على شَفْعة الضحى غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر".
قوله: {وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً} {وَالطَّيْرَ} ، معطوف على {الجبال} ؛ أي وسخرنا الطير يسبِّحن معه محشورة يعني مجموعة له؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام إذا سبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبَّحت معه.
قوله: {كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} أي راجع إليه، فترجَّع معه وتسبح بتسبيحه وتحن إلى صوته الحسن.
قوله: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} أي: قويناه بالعون والنصرة حتى كان مكينا ثابتا - وكان في الناس مهيبا مطاعا وأوتي من كثرة الجنود لحراسته ما أثار الرهبة في القلوب، ويستدل من ذلك أيضا أن النبي يجوز أن يسمى ملكا.
قوله: {وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} اختُلف في المراد بالحكمة - فقيل: معناه النبوة - وقيل: العلم بكتاب الله - وقيل: العلم والفقه - وأما {وَفَصْلَ الْخِطَابِ} فهو الفصل في القضاء - وقيل: هو الإيجاز بجعْل المعنى الكثير في اللفظ القليل.
قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} : {الْخَصْمِ} يستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع والتثنية والإفراد؛ لأنه في الأصل مصدر والمراد بالخصم ههنا ملكان {إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} أي وقت تسور المحراب - و {تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} ، يعني أتوه من أعلى سوره - نقول: تسور الحائط، أي تسلّقه - و {الْمِحْرَابَ} معناه هنا الغرفة؛ فقد تسلقوا على داود وهو فيها - وهو قوله: {إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ}