ذلك إخبار عن قيل نوح لقومه لما كذبوه وردوا عليه دعوته لهم؛ فقد خاطبهم في لين ورفق وتودد بقوله: {يا قوم} وفي هذا التعبير من رقة الخطاب المحبب إلى القلوب ما لا يخفى - ثم قال لهم: أرأيتم إن كنت على علم ويقين من الله مما جئتكم به وأنه الحق والصواب {وآتاني رحمة من عنده} أي أعطاني ربي منه رحمة كريمة عظيمة وهي النبوة والرسالة والحكمة فصدقتها كامل التصديق، وأيقنت أنها الحق، والتزمت موجبها طاعة وإخباتا لله {فعملت عليكم} بضم العين وتشديد الميم المكسورة؛ أي فعماها الله عليكم {أنلزمكموها وأنتم لها كارهون} الاستفهام للإنكار - نلزم، يتعدى على مفعولين، المفعول الأول: الكاف والميم - والمفعول الثاني: الهاء والألف - {وأنتم لها كارهون} جملة اسمية في موضع نصب على الحال 34، والهاء ترجع إلى الرحمة؛ وهي العلم أو الرسالة أو التوحيد؛ أي: أنضطركم أن تقبلوا هذه الرحمة وأنتم تكرهونها؟ فغنه لا يصح قبولكم لها مع كراهتكم إياها.
قوله: {ويا قوم لا أسألكم عليه مالا} أي لا أطلب منكم أجرا من المال في مقالب تبليغكم رسالة الله والإيمان به توحيده - فما من شيء يدعوكم للتثاقل؛ فإن ثوابي في تبليغ ما أمرت بتبليغه لهو على ربي؛ فهو يجزيني الأجر عليه، فلست بذلك محلا لظنكم واتهامكم - وهو قوله سبحانه: {إن أجري إلا على الله} أي ما ثواب نصحي لكم وتبليغي ما أدعوكم إليه إلا على الله؛ فغنه المجازي والمثيب.
قوله: {وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم} ذكر أن المشركين سألوا نوحا أن يطرد المؤمنين فيستبعدهم من مجلسه؛ لأنهم أراذل؛ أي عالة ضعفاء - فكانوا يستكبرون أن يخاطبوهم أو يجلسوا معهم، لكن نوحا عليه السلام قد رد مطلبهم الجهول بقوله لهم: لا أقصي ولا أستبعد المؤمنين الذين أقروا بوحدانية الله وخلعوا الأوثان وتبرأوا من أوضار الشرك والمعصية {غنهم ملقوا ربهم} هؤلاء المؤمنون الذين تسألونني طردهم لكونهم أرذال في نظركم، سيلاقون الله يوم القيامة؛ فهو يتولى سؤالهم عما عملوه في الدنيا فيجازيهم بإيمانهم وطاعتهم، ولا وزن يومئذ للشرف أو الحسب الذي تعتبرونه كل الاعتبار.
لقد قال نوح على وجه التكريم لهؤلاء المؤمنين - وقيل: قال ذلك خشية أن يشكوه إلى الله يوم القيامة إذا طردهم فيجازيه على طردهم.
قوله: {ولكني أراكم قوما تجهلون} لا تعلمون الحق - ومن الحق أن لا أطرد الذين تعدونهم أرزال وهم في ميزان الله وأبرار كرام، فأنتم بذلك مجانبون للحق، مناهضون للصواب، وتجهلون ما ينبغي أن يكون وأن يعلم.
قوله: {ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتم أفلا تذكرون} هذا التعبير {ويا قوم} يتندى على السامعين بالرفق واللين، فيتودد به نبي الله نوح إلى قومه لرقق قلوبهم فتنجح للإخبات والتصديق؛ إذ يقول لهم في استثارة وود {من ينصرني من الله إن طردتم} من يمنعني من عذاب الله وانتقامه إن طردت هؤلاء المؤمنين الطائعين الخاشعين لله بسبب ضعفهم وفقرهم؟! {أفلا تذكرون} أفلا تتعظون وتتفكرون فيما تقولون وتقترحون لتعلموا أنكم خاطئون فتنتهوا؟!