قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} الكاف في {وَكَذَلِكَ} في موضع نصب على الحال من ضمير المصدر المقدر، أو على النعت لمصدر محذوف والتقدير: مثل ذلك الاجتباء العظيم يجتبيك - وقيل: في موضع الرفع على خبر مبتدأ مضمر أي الأمر كذلك 11 و {يَجْتَبِيكَ} ، أي يصطفيك ويختارك من الاجتباء وهو الاختيار 12 لرؤية الكواكب والشمس والقمر ساجدين لك؛ فإن الله يختارك للنبوة والملك - وقيل: للسجود لك تحية وإكراما - أو لأمور عظام تشمل ذلك وغيره من كبرايات الوجائب والأغراض التي تقتضيها النبوة.
قوله: {وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ} وتأويل الأحاديث يعني التعبير عن الرؤيا أو غرائب الرؤيا - وقيل: عواقب الأمور - وقيل: عموم ذلك وغيره من المغيبات - وقال الزمخشري: الأحاديث بمعنى الرؤى - وتأويلها يعني تفسيرها أو عبارتها - فكان يوسف عليه السلام أعبر الناس للرؤيا وأصلحهم عبارة - وقيل: المراد بتأويل الأحاديث معناي كتب الله وسير الأنبياء وما غمض أو اشتبه على الناس من المقاصد ووجوه الحكمة.
قوله: {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ} إتمامه النعمة عليك يعني بالإيحاء إليك وبعثك نبيا - وقيل: بإيجائك من كل مكروه - أو بإعلاء شأنك وتحقيق رؤياك - وآل يعقوب، يعني أولاده وذريتهم - والمراد: أن الله قد أتم نعمته عليك بالنبوة والنجاة من الشدائد والمكاره كما أتم نعمته على آل يعقوب وهم نسله، بالخلاص من المكروه - ولا يقتضي ذلك أن يكون الإنعام على يوسف وإخوته من نوع واحد؛ فقد أنعم الله على يوسف بنعمة النوبة وغيرها من النعم مما بيناه آنفا - وكذلك أنعم على أخوته بوجوه أخرى من النعم كالخلاص من المكاره وغيرها.
قوله: {كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ} أتم الله نعمته على أبيه إبراهيم بالنبوة والخلة؛ إذ اتخذه خليلا، ثم تنجيته من النار - وكذلك قد أتم نعمته على أبيه إسحق بالنبوة.
قوله: {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} {عليم} بمن يستحق الاجتباء والنعمة، {حكيم} في تدبير خلقه وفي جعل الأشياء في مواضعها 13.