وهذا مشهد من أشد المشاهد التي يمر بها المجرمون الظالمون هولا وفظاعة يوم القيامة، يوم تتفاقم فيه الأهوال والبلايا والفضائح؛ ليجد الظالمون الخاسرون أنفسهم في غاية الإياس وكمال الإحساس بالخزي على مرأى ومسمع من الخلائق كافة - فيا لها من ساععة قارعة رهيبة، ويا له من مشهد رعيب مزلزل!
وفي هذا الصدد روي الإمام أحمد عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذا بيد ابن عمر؛ إذ عرض عليه رجل قال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعته يقول: (إن الله عز وجل يدني المؤمن فيضع عليه كنفه 24 ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذ قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك - قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم - ثم يعطي كتاب حسناته - وأما الكفار والمنافقون فيقول: {ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين} .
قوله: {الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هو الكافرون} هذا وصف لهؤلاء الظالمين الذين كذبوا على ربهم؛ فهم {يصدون عن سبيل الله} وسبيل الله هو دنيه المستقيم؛ أي يمنعون الناس أن يؤمنوا بالله إيمانا صحيحا؛ إذ يصدوهم بمختلف الأسباب مما يفتنهم عن عقيدة التوحيد الخالص لله، وعن الأخذ بمنهج الله للعباد وهو الإسلام {ويبغونها عوجا} والضمير عائد إلى سبيل الله وهو الإسلام؛ فالكافرون والظالمون الذين يكرهون الإسلام ويحادون الله ورسوله {ويبغونها عوجا} أي يلتمسون أن تكون هذه السبيل زيغا وميلا عن الحق - يردون أن يكون دين الإسلام موافقا لأهوائهم في الضلالة والباطل فلا يكونون مسلمين حقا بل يريدونهم أشباه مسلمين لكي يستضعفوهم ويستذلوهم ويستحوذوا عليهم - وذلك هو ديدن الكافرين والظالمين من أعداء الإسلام في كل زمان ومكان - إنهم يحرصون على حمل المسلمين على التحلل من عري الإسلام ومبادئه الوافية الراسخة المتكاملة ثم يأخذون بهذا الدين وقد أسقطت منه مبادئ أساسية شتى كالجهاد والحدود ونظام المواريث والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومجانبة المحظورات والرذائل الخلقية والاجتماعية، إلى غير ذلك من قضايا الحلال والحرام، فلا يبقى بعد ذلك من الإسلام إلا بقية من أشتات الديانة الممزقة الباهتة، أو أشتات الأحكام في العبادات والأحوال الشخصية - وهي هذه لا تنجو من كيد التلاعب والانتقاص والتطور المزعوم وهم في ذلك كله يتذرعون بذرائع سقيمة كاذبة مثل الحرية الشخصية ونحوها - وهذا هو أسلوب الماكرين والخبيثين من شياطين البشر الذين يريدون أن ينسفوا الإسلام نسفا ليصير بعد ذلك إلى دين مضطرب ضعيف مسلوب لا روح فيه ولا قوة - وليصير المسلمون جموعا من المستضعفين، وقد خسروا أعظم مقوماتهم النفسية والفكرية والشخصية والحضارية: مقوماتهم المتماسكة المتكاملة الرصينة التي جاء بها الإسلام ليصنع بها الأمة الواحدة العظيمة المهيبة.
قوله: {وهم بالآخرة هم كافرون} الواو، واو الحال - هم الثانية لتأكيد كفرهم بالآخرة - أي أنهم يصدون عن دين الله ويلتمسون أن يكون هذا الدين زائغا معوجا ويبغون للمسلمين الارتداد، والحال أنهم يجحدون البعث ويكفرون به.