قوله: {رِزْقًا مِن لَّدُنَّا} رزقا، منصوب على المصدر - لأن معنى تجبى، ترزق - وقيل: مفعول لأجله لفعل محذوف - أي نسوقه إليهم رزقا من لدنا - وقيل: منصوب على الحال، أي رازقين - والمعنى: رزقناهم رزقا من عندنا {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} أي قليل منهم يقرون بأن ذلك رزق من عند الله، وأكثرهم جهلة لا يعلمون ولا يفطنون له - ولو علموا أنه من عند الله؛ لعلموا أن الخوف والأمن من عنده، ولما خافوا التخطف إذ آمنوا بالله وخلعوا أنداده، وهو قول الزمخشري.
قوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} أي كم من قرية أهلكناها أبطرتها معيشتها فأشرت 46 وطغت وجحدت ما أنعم الله لهم من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم من إنعام الله عليهم بالرقود في ظلال الأمن والنعمة وطيب العيش لكنهم غمطوا النعمة وقابلوها بالبطر، والجحود فدمر الله عليهم وأهلكهم.
قوله: {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلا} أي تلك بيوت القوم الذين أهلكناهم بكفرهم وذنوبهم، لم تُسكن من بعدهم إلا قليلا - فقد خربت من بعدهم ولم يُعمر منها إلا أقلها وأكثرها خراب، وعلى هذا فالاستثناء يرجع إلى المساكن؛ أي بعض مساكن الهالكين يسكن وأكثرها خراب.
وقيل: الاستثناء يرجع إلى السكان، فالمعنى: فتلك مساكنهم لم يسكنها إلا المسافرون أو مارّ الطريق يوما أو ساعة - أي لم تسكن من بعدهم إلا سكونا قليلا - وهو قول ابن عباس.
قوله: {وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} أي لم يكن لمساكنهم وبيوتهم التي أتى عليها الخراب والدمار وارث، بل عادت وليس لها من مالك سوى الله الذي له ميراث كل شيء 47.
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59) وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ (60) أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} .
ذلك إخبار من الله لعباده عن عدله المطلق في العقاب، فإنه سبحانه منزه عن الظلم وهو لا يظلم من عباده أحدا إلا عقب قيام الحجة عليه - ولذلك قال هنا: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا} أي ما كان ربك يا محمد مهلك أهل القرى التي حول مكة حتى يبعث في أعظمها رسولا يبلغ الناس الحق وينذرهم شديد بأسه وعقابه - والمراد بأمها أو أعظمها: مكة؛ فهي أعظم القرى من حولها أو أصلها وقصبتها - فقد بعث الله في مكة رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} بعثه الله بقرآنه الحكيم هداية للناس واستنقاذا للبشرية من وهدة الباطل والشر.