قوله: {فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا} هذا القسم من الله بإضافة المقسم به وهو الله إلى رسوله تتضمن تعظيما له (ص) - والواو العاطفة بمعنى مع؛ أي يقسم الله بجلاله العظيم أن الكافرين المكذبين بيوم القيامة محشورون مع الشياطين الذين أضلوهم وأغووهم؛ فما من شقي جاحد من البشر إلا ويجاء به يوم القيامة مقرونا مع شيطان بسلسلة (ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا) (جثيا) ، منصوب على الحال - جمع جاث؛ أي بارك على الرُكب - يقال: جثا يجثو جُثوّا وجثيا؛ وهم الجالسون على ركبهم 40، وعن ابن عباس، بمعنى: جماعات جماعات، جمع جثوة وهو المجوع من التراب والحجارة.
والمقصود أن الكافرين مع الشياطين يساقون يوم القيامة إلى جهنم جاثين؛ أي باركين حول جهنم، زيادة في التعذيب والتنكيل والإيلام من هول المنظر - فيا لله لهذا الحال البئيس المرعب الذي تتوقد فيه النار، والكافرون والشياطين باركون على ركبهم وهم مقيدون مقرونون في السلاسل من حول جهنم في تأججها الرهيب واستعارها المضطرم! 41
هكذا يمكث هؤلاء الأخسرون في هذا التعس من المنظر الفظيع جثيا وقتا من الزمان- الله أعلم كم يستمر- قبل أن يكبكبوا في النار! نسأل الله العافية والستر والنجاة.
قوله: {ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا} شيعة بمعنى جماعة تشايعت على الضلال والباطل - أو تبعت الغواة وأهل الباطل وشايعتهم في كفرهم؛ أي لنخرجن من هؤلاء المذكورين (أيهم أشد على الرحمن عتيا) أيهم مبتدأ، وخبره أشد - وقيل في إعراب ذلك وجوه أخرى، و (عتيا) منصوب على التمييز - والتقدير: أيهم هو عتوه أشد - والعتو، معناه الاستكبار ومجاوزة الحد 42 - والمراد: أن يخرج الله من كل طائفة أو جماعة أشدهم نبوًا عن طاعة الله واجتراء على عصيانه؛ أي أن الله يفرز يوم القيامة من بين الغاوين والضالين من أمم الكفر أعصاهم فأعصاهم حتى إذا اجتمعوا جميعا طرحهم في النار، فيقدم أولاهم بالعذاب فأوْلاهم.
قوله: {ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا} المراد بالذين هم أولى بالصلي، المنتزعون، باعتبار الترتيب؛ فالله تعالى أعلم بمن هو أحق من هؤلاء بدخول النار
قوله تعالى: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (71) ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا (72) } الواو في قوله: (وإن منكم) عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها - (وإن) ، نافية بمعنى ما - والمخاطب في الآية عموم الناس؛ أي وما منكم من أحد إلا هو داخل النار - وبذلك لسوف يدخل النار سائر العباد سواء فيهم المؤمن والكافر - أما المؤمن: فإن النار لا تضره بل الله منجيه - وفي هذا أخرج الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (ص) :"يرد الناس كلهم ثم يصدرون عنها بأعمالهم"ومما يذكر في هذا المعنى: أن الخلق جميعهم يمرون على الصراط على جهنم، وهو مثل حد السيف - وإنهم يمرون بسرعة تتفاوت بتفاوت أعمالهم؛ فأكثرهم خشية لله أصلحهم أعمالا؛ إذ يمرون كالبرق الخاطف - ومن دونهم في الإيمان وصالح الأعمال يمرون على نحو أبطأ، والملائكة يقولون: اللهم سلم سلم.
أما الجاحدون والخاسرون والمتمردون على الله والمنافقون؛ فإنهم يهوون من فوق الصراط إلى وسط جهنم ليبؤوا بالويل والعذاب الشديد.