وبعد هذا التأكيد المسبق الحاسم على إخفاق أية محاولة لاصطناع مثل القرآن فإن الله جلت قدرته يحذر من النار الحارقة التي يتعذب بها الجاحدون لأنعم الله المنكرون لكتابه الحكيم، وذلك في قوله: (فاتقوا النار (أي اتخذوا من طاعة الله ومجانية نواهيه ومعاصيه وقاية تحتمون بها من حريق النار وما فيها من عذاب أليم لا يطاق.
ويزداد القلب هلعا وارتجافا لدى إدراك المرء أن وقود النار من الناس والحجارة، فيا لهول المشهد الذي يثير في النفس الوجل والترويع إنه مشهد يبعث على الصحو في تبكير كيلا تتعاقب الأيام والسنون ثم يفوت الأوان وتذهب الفرصة التي تتاح للمرء فيها أن يتوب ويعمل صالحا.
وفي اجتماع الناس والحجارة في النار أكثر من مدلول، فإن من جملة ذلك: أن يستوي الإنسان الجاحد ليكونا معا في النار، فهما عنصران سيان يلتقيان في الحريق بلا اعتبار أو حساب، إنهما الحجر الأصم، والإنسان التائه الصفيق الذي قارف ما لم يقارفه حجر ولا بهيمة.
ومن جملة ذلك أيضا: أن يشتد عذاب الكافرين في النار وهم تمسهم الحجارة الحامية مما يضيف إلى الأجساد المصطلية لهيبا واضطراما، وقد ورد في المقصود بالحجارة هنا أنها مصنوعة من الكبريت الأسود وهو شديد الاشتعال، وسواء كانت هي الحجارة المعروفة أمن أنها من الكبريت فإن المقصود الأهم هو بعث التحريق واللهب على نحو أشد لكي يذوق الكافرون والملحدون والمكذبون أقسى النكال الذي تتقاحم فيه أبدانهم وجلودهم وهم يحترقون في النار.
قوله: (أعدت للكافرين (أي أن هذه النار قد هيئت وتم رصدها للكافرين، ويدل ظاهر هذه العبارة على أن النار موجودة أصلا في هذا الزمان وفي سوابق الزمان، وذلك الذي عليه جمهرة أهل العلم من مفسرين ومحدثين، وثمة قول آخر وهو أن النار لم تخلق بعد وأن عملية الخلق كائنة يوم القيامة ولا يعز شيء من ذلك على الله.
وفي تقديري أن هذا القول مرجوح وأن ما عليه جمهور أهل العلم هو الصواب.
25 - (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
قوله تعالى: (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها ثمرة قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون (بعد أن خوف الله الكافرين وحذرهم من عذاب النار التي وقودها الناس والحجارة إذا لم يؤمنوا بكتابه، فإنه بعد ذلك يبشر عباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات بأن لهم جنات تجري تحتها الأنهار، وذلك الذي يطلق عليه في القرآن"المثاني"وهي الانتقال بالكلام من حال إلى حال أخرى مغايرة، وذلك مثلما تتناول الآية أو بعض الآيات مسألة العذاب الأليم الذي أعده الله للكافرين والعصاة، ثم يعقب ذلك بالكلام عن الجنة ونعيمها المقيم، أو مثلما يتكلم عن ملائكة الرحمة والبشرى، ثم يبادر الحديث بعد ذلك مباشرة عن ملائكة العذاب الذين تتزلزل لدى رؤيتهم أقدام المجرمين الذين يعيثون في الأرض فسادا، ذلك الذي عليه الجمهرة الكاثرة من المفسرين وقيل غير ذلك.
وفي هذه الآية يأمر الله بتبشير المؤمنين الذين عملوا الصالحات، والتبشير هو الإخبار عما يبعث على السرور، إذ تتبدى علائم البهجة والحبور لدى الإخبار بما يسر.