فاستجاب الله الدعاء، وبيان ذلك أن الملائكة نادته خطابا فأسمعته وهو قائم في محراب عبادته يصلي تحمل له البشرى (أن الله يبشرك بيحيى) يبشرك من البشرى وهي ما يبشر به - استبشر: فرح وسر - والبشارة: الخبر السار لا يعمله المخبر - تبشر: فرح وتهلل 84.
بشرت الملائكة زكريا بولد اسمه يحيى (مصدقا بكلمة من الله) يعني المسيح عيسى - وهو قول أكثر المفسرين - وسمي عيسى كلمة؛ لأنه كان بكلمة الله تعالى التي هي"كن"فكان من غير أب - أما يحيى فهو أول من آمن بعيسى عليهما الصلاة والسلام، وصدقه وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين - وقيل: بستة أشهر، وكانا ابني خالة.
والظاهر في اسم يحيى أنه اسم أعجمي فلا يصرف كموسى وعيسى، وقيل عربي من الحياة وسمي بذلك؛ لأن الله أحياه بالإيمان.
قوله: (وسيدا) السيد الذي يسود قومه ويُنتهى إلى قوله - أي يفوقهم في الشرف - وقيل: الحليم - وجملة ذلك أنه الشريف في العلم والعبادة والتقى.
قوله: (وحصورا) من الحصر، وهو الحبس - والحصور الذي لا يأتي النساء - وقيل: المانع نفسه من الشهوات - وقيل: كان معصوما من الذنوب - أي لا يأتيها كأنه حصور عنها.
قوله: (ونبيا من الصالحين) هذه بشارة أخرى بنبوة يحيى بعد البشارة الأولى بولادته وهي أعلى من الأولى 85.
قوله تعالى: (قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار) قال زكريا بعد أن بشرته الملائكة بيحيى: أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر؟ يعني من بلغ من السن ما بلغت كيف يؤتى الولد؟ وكذلك فإن امرأتي عاقر - والعاقر من النساء التي لا تلد.
قوله: (كذلك الله يفعل ما يشاء) أي أنه هين على الله أن يخلق ولدا من الكبير الذي يئس من الولد، ومن العاقر التي لا يرجى منها الولد ولا الولادة؛ لأن الله لا يمتنع عليه فعل شيء شاءه؛ لأن قدرته لا تشبهها قدرة.
قوله: (قال رب اجعل لي آية) أي اجعل لي علامة أستدل بها على وجود الولد مني فأستقبل ذلك بالبشاشة والشكر.
قوله: (قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) لما حملت زوج زكريا بيحيى أصبح لا يستطيع أن يكلم أحدا مع أنه قادر على قراءة التوراة وذكر الله - فإذا أراد مقالة أحد لم يطقه، أي أنه لم يستطع النطق فأصابه السكوت ولم يكن ذلك من مرض أو خرس أو نحو لك، بل كان ذلك بتقدير الله وحكمته - فقد طلب الآية (العلامة) ليستزيد بها من الطمأنينة - فيكون المعنى بذلك: أتمم علي النعمة بأن تجعل لي آية، زيادة نعمة وكرامة فقيل له: (آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام) أي تمنع من الكلام ثلاث ليال - وقيل: بل كان ذلك على سبيل العقاب له إذ سأل ربه الآية بعد مشافهة الملائكة إياه بما بشرته به (بيحيى فأخذ بلسانه فبات غير قادر على الكلام(إلا رمزا) أي يومئ إيماء - والإيماء الإشارة - وذلك بالشفتين أو الحاجبين والعينين أو اليدين أو نحو ذلك - ورمزا منصوب على الاستثناء المنقطع.