قوله: {فإن انتهوا فإن الله بما تعملون بصير} أي إن كف الظالمون عن كفرهم وطغيانهم فإن الله بصير بأعمالهم، مطلع على سرائرهم وأخبارهم.
قوله: {وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير} ذلك تهديد من الله للكافرين، أنهم إن أعرضوا عن دين الله وظلوا سادرين في غيهم وعدوانهم فاعلموا أيها المؤمنون أن الله سيجعل الغالبة لكم؛ فهو سبحانه {مولاكم} أي ناصركم، وهو سبحانه {نعم المولى ونعم النصير} لله جل وعلا خير معين ونصير لعباده المؤمنين الصابرين - وما على المؤمنين المخلصين بعد ذلك إلا أن يثقوا كامل الثقة بالله، وأن يركنوا تمام الركون إلى جنابه العظيم بعد أن يأخذوا بالحيطة وأوفي الأسباب - سواء في ذلك الأسباب المادية أو المعنوية - وبعد ذلك فإن الله محقق لهم الغلبة والنصر 49.
41 - (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقي الجمعان والله على كل شيء قدير} الغنيمة هي ما أخذه المسلمون من أموال أهل الحرب الكافرين بقتال - أما الفيء: فهو ما أخذه المسلمون منهم بغير قتال - فهما بذلك معنيان مختلفان - وقيل: إنهما اسمان مترادفان لمعنى واحد - والمعنى المراد في هذه الآية: أن كل شيء يأخذه المسمون من الكافرين عنوة وقهرا فهو من الغنيمة - وهذا العموم مخصص بالأسارى؛ فإن الخيرة فيهم إلى الأمام ليرى فيهم ما هو أنفع للمسلمين بعد التشاور مع أهل الحل والعقد من المسلمين.
وقد بينا في آيات سابقة أن إباحة الغنائم للمسلمين ليس المراد منها إثراء الغانمين ليكونوا من أهل الثورة واليسار - وليس ذلك إذعانا لهوى النفس التي تميل لاحتواء المال وتكثره - ولا مجرد الكراهية الهوجاء للمالكين من غير المسلمين - ولكن المراد من تجريد الكافرين من أموالهم وإباحتها للمسلمين عقب الحرب إنما هو إضعاف شوكة الكفر والكافرين وتحطيم الوسيلة الأساسية الكبرى التي يعتمد عليها الكافرون العتاة في محاربة دين الله وصد الناس عن منهجه سبحانه - المراد أن تتبدد القدرة المؤثرة الأولى التي يستمد منها الطغاة والظالمون قوتهم واقتدارهم على الحيلولة بين الإسلام والبشرية - والإسلام هو دين الإنسانية كافة، يثير فيها الأمن والرخاء والاستقرار وينشرون في ربوعها الخير والود والرحمة، ويشيع في أجوائها كل ظواهر الإخاء والتعاون والتعارف والتحرر من ربقة الظلم والظالمين.
إذا تبين ذلك فإنه لا يعادي الإسلام بعد ذلك إلا مارقون جبابرة، أو طغاة متمردين غلاط لا يرضون البشرية إلا تتيه في الظلام والباطل - وسبيل المجرمين الظالمين إلى بلوغ مآربهم في الإفساد والتخريب هو المال؛ فلزم بذلك انتزاع هذه الوسيلة الكبيرة من أيداهم؛ ليظلوا ضعافا خزايا عاجزين بعد ذلك عن إفساد البشرية أو إشاعة التخريب والفتنة فيها، وعاجزين كذلك عن التلويح بقتال الحق وأهله فضلا عن اصطفافهم مع الظالمين والمفسدين في كل مكان أو زمان.