فهرس الكتاب
قوله: (وما أكرهتنا عليه من السحر) ما، في موضع نصب بالعطف على، (خطايانا) 30، أي آمنا بالله ليغفر لنا ما كنا فيه من الشرك، ويغفر لنا الذي أكرهتنا عليه من عمل السحر لتعارض به موسى (والله خير وأبقى) الله خير لنا منك، وجزاؤه أدوم.
قوله: {إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى} الضمير في (إنه) يرجع إلى الأمر والشأن - وهذا من تمام ما قاله السحرة لفرعون، يحذرونه من عذاب الله وانتقامه فإن أخذه أليم شديد - والمعنى: أن من يليق ربه يوم القيامة على الكفر، فلسوف يبوء بالويل والخسران وأن مصيره إلى العذاب البئيس في جهنم - وهو؛ إذ يتعذب فيها محترقا (لا يموت فيها ولا يحيى) أي لا يأتي عليه الموت في النار فيستريح ولا يحيى حياة ينتفع بها.
قوله: {ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى} أي، والذي يلقى الله يوم القيامة على الإيمان والطاعة وقد عمل ما أمر الله به وانتهى عما نهى عنه (فأولئك لهم الدرجات العلى) (العلى) جمع العليا؛ أي أولئك المؤمنون الصالحون يجزون المنازل الرفيعة في الجنة.
(جنات عدن تجري من تحتها الأنهار) (جنات) ، مرفوع على البدل من الدرجات 31 وهذا هو جزاء المؤمنين الصالحين؛ إنهم يجزون الإقامة في جنات الخلد، وهي نعيمها دائم لا ينقطع (خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى) (خالدين) - منصوب على الحال - وهذا من قول السحرة لما آمنوا؛ فقد ألهمهم الله هذا القول إلهاما فأنطقهم به - وهو أن المؤمنين الصالحين المتطهرين من الشرك ودنس المعاصي، جزاؤهم الجنات، لابثين ماكثين في نعيمها لا يأتي عليهم فناء ولا زوال 32.
قوله تعالى: {ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى (77) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم (78) وأضل فرعون قومه وما هدى (79) } .
هذه آيات قصار وقلائل يتدفق من خلالها الإعجاز الظاهر المستعذب - إعجاز ندي وكريم يستشرفه القارئ بفطرته السليمة ليجد فيه من حلاوة النغم وعذوبة الإيقاع ما يثير الوجدان والخاطر، ويملأ القلب والخيال بهجة وسكينة، لفرْط ما يتجلى في هذا النظم العجيب من جمال الكلم، بألفاظه المميزة المصطفاة، وحروفه الشجية الندية التي تفيض على الجو والخيال ظلالا من النسائم الروحية العطرة - فلكأن القارئ الذي يعشق مثل هذا النظم الباهر يستشعر في أعماقه بنُقلة روحية ونفسية وذهنية يتملاها الخيال ويعشقها الحس - فيا لله لهذا الكلام الرباني العجيب.