فهرس الكتاب

الصفحة 300 من 2536

ثم حكى الله عن الراسخين في العلم قولهم: (آمنا به كل من عند ربنا) أي أنهم يعلنون عن إيمانهم القاطع أن هذا المتشابه من عند الله أو هو كلام الله ونحن مؤمنون به - وقالوا أيضا: (كل من عند ربنا) أي أن كل واحد من المحكم والمتشابه من عند الله فهما (المحكم والمتشابه) كلاهما حق وصدق وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له؛ لأن الجميع منزل من عند الله 25.

قوله: (وما يذكر إلا أولوا الألباب) أي ما يعي هذا ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها الصحيح ويدع اتباع المتشابه إلا ذو لبّ، وهو العقل - ولب كل شيء خالصه 26.

قوله تعالى: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد) .

هذه هي حال الراسخين في العلم - فهم أتقياء مخبتون متواضعون لا تبرحهم خشية الله - وهم دائما يبادرون بالدعاء إلى الله أن لا يزيغ قلوبهم، أي أن لا يميلها أو يحرفها عن دينه القويم وصراطه المستقيم بعد أن أقامها عليه وهداها إليه، وأن لا يجعلهم كالزائغين الذين يتبعون ما تشابه من القرآن ليفرضوا على أنفسهم وعلى الناس ما يطيب لأنفسهم المريضة من المعتقدات والتصورات والأحكام المصطنعة - أولئك هم الزائغون عن طريق الله المستقيم، الجانفون عن قسطاس الإسلام القويم - وأمثال هؤلاء في كل مكان وزمان كثيرون ممن ابتلى الله بهم عباده المؤمنين الصابرين الذي قدر لهم أن يقطعوا الدهر في جهاد مستديم ضد الضلال بكل صوره وأشكاله، سواء في ذلك ضلال الكافرين والملحدين، أو ضلال المنافقين والخراصين، أو ضلال الزنادقة المارقين، أو ضلال الفسقة من الجاهلين الذين يتحذلقون بعبارة الزيغ والعمه وهم يحسبون أنهم على شيء ولكنهم في الحقيقة أدعياء جهلة، هائمون في غياهب الضلالة والوهم.

قوله: (وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) أي امنحنا من عندك نعيما صادرا عن الرحمة - أما الرحمة عينها فلا توهب؛ لأنها راجعة إلى إحدى صفات الذات الإلهية فلا يتصور منحها أو هبتها.

وقوله: (ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد) هكذا يدعو الراسخون في العلوم الذين لا يفرقون بين محكم الكتاب ومتشابهه من حيث الإيمان بهما وردهما جميعا إلى الله- فهم فوق دعائهم أن يهبهم الله الوهاب رحمة من عنده فهم يقرون إقرارا لا شك فيه أن الله سيبعث الناس يوم القيامة حيث الحساب والجزاء - ذلك وعد من الله محتوم والله لا يخلف وعده 27.

قوله تعالى: (إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت