فهرس الكتاب

الصفحة 299 من 2536

قال الرازي في بيان التأويل: اعلم أن التأويل هوالتفسير، وأصله في اللغة المرجع والمصير - من قولك آل الأمر إلى كذا إذا صار إليه، وأولته تأويلا إذا صيرته إليه - هذا معنى التأويل في اللغة، ثم يسمى التفسير تأويلا - قال تعالى: (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا) وقال تعالى: (وأحسن تأويلا) وذلك أنه إخبار عما يرجع إليه اللفظ من المعنى - واعلم أن المراد منه أنهم يطلبون التأويل الذي ليس في كتاب الله عليه دليل ولا بيان، مثل طلبهم أن الساعة متى تقوم؟ وأن مقادير الثواب والعقاب لكل مطيع وعاص كم تكون؟ 20.

والذين يتبعون ما تشابه من القرآن إنما يطلبون بذلك- فوق طلبهم الفتنة- تأويله - أي يؤولونه التأويل الذي يشتهونه بتحريفه على ما يروق لهواهم الجانف وقلوبهم الزائغة الجانحة 21.

قوله: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما ذكر إلا أولوا الألباب) .

اختلف العلماء في معنى الواو قبل (الراسخون) هل هي للاستئناف (الابتداء) أم للعطف؟ فثمة قولان في ذلك.

أحدهما: أن الواو للاستئناف - فالوقف بذلك على لفظ الجلالة (الله) ثم يأتي الكلام بعد ذلك مستأنفا - فالواو هنا لابتداء الكلام بعد تمامه - وعلى هذا فإنه لا يعلم تأويل المتشابه من الكتاب الحكيم إلا الله - وهذا قول ابن عباس وعائشة ومالك ابن أنس والكسائي والفراء والأخفش - ومن المعتزلة قول الجبائي - واختاره الرازي.

ثانيهما: أن الواو تفيد العطف، فالراسخون معطوف على لفظ الجلالة - وعلى هذا يكون العلم بالمتشابه حاصلا عند الله تعالى وعند الراسخين في العلم - وهو قول أكثر المتكلمين - وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس 22 وفي تقديري أن القول الأول هو الراجح - ووجه ذلك من عدة وجوه منها:

أولا: أن ما قبل هذه الآية يدل على أن طلب تأويل المتشابه مذموم حيث قال سبحانه (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) ولو كان طلب تأويل المتشابه جائزا لما ذم الله تعالى ذلك.

ثانيا: لو كان قوله: (والراسخون في العلم) معطوفا على قوله (إلا الله) لصار قوله: (يقولون آمنا به) ابتداء كلام، وهذا بعيد عن ذوق الفصاحة، بل كان الأولى أن يقال: وهم يقولون آمنا به - أو ويقولون آمنا به.

ثالثا: ما ذكر عن ابن عباس قوله: التفسير على أربعة أنحاء: فتفسير لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله.

ويؤيد ذلك ما ذكر أن مالك بن أنس رحمه الله لما سئل عن الاستواء قال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة 23.

وقوله: (والراسخون في العلم) من الرسوخ وهو الثبوت في الشيء - وكل ثابت راسخ - ورسخ الإيمان في قلب فلان يرسخ رسوخا، فالراسخون في العلم هم الذين ثبتوا وتمكنوا فيه - وقال الرازي في هذا الصدد: واعلم أن الراسخ في العلم هو الذي عرف ذات الله وصفاته بالدلائل اليقينية القطعية، وعرف أن القرآن كلام الله تعالى بالدلائل اليقينية، فإذا رأى شيئا متشابها ودل القطعي على أن الظاهر ليس مراد الله تعالى علم حينئذ قطعا أن مراد الله شيء آخر سوى ما دل عليه ظاهره، وأن ذلك المراد حق، ولا يصير كون ظاهره مردودا شبهة في الطعن في صحة القرآن 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت