فهرس الكتاب

الصفحة 550 من 2536

وقد تطلق الصدقة من حيث المعنى فتتضمن وجوها في الخير تتجاوز حصول البذل والجود بالمال تطوعا أو فريضة - وإطلاق الصدقة يشمل معاني شتى في الخير وذلك مثل إماطة الأذى عن الطريق، أو الأخذ بيد أعمى لهدايته إلى الطريق، أو في عون ذي الحاجة الملهوف في قضاء شأن من شؤونه، أو الملاطفة يبذلها المرء نحو أخيه أو تبسمه في وجهه، وهي معان في الأخلاق الكريمة تندرج في المفهوم المطلق للصدقة مثلما ورد في السنّة المطهرة.

وأما الإصلاح بين الناس فهو في طليعة المحاسن من الأخلاق التي تتجلى في المؤمن التقي العامل - ذلك أنه وسيلة التوفيق بين المتدابرين والمتخاصمين وأنه السبيل التي تسعف في التئام المسلمين كيما يتآزروا وتتحد كلمتهم وكيما يكونوا دائما يدا واحدة على من سواهم - وانعدام الإصلاح دليل التمزق والشتات وذهاب ريح الأمة.

ومنوط بالمسلم أن يندفع في نشاط وحماسة ليصلح بين الناس إذا ما تخالفوا أو دبّ بينهم دبيب الفرقة والبغضاء - ولمن يبادر في الإصلاح كبير الأجر والثواب بما لا يعلم مداه إلا الله سبحانه - وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول:"من أصلح بين اثنين استوجب ثواب شهيد"156.

قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا) .

ورد في سبب نزول هاتين الآيتين أكثر من قول - فقد قيل أنهما نزلتا في السارق ابن أبيرق فإنه لما تبين له أنه قد افتضح تسلل إلى مكة هربا من القطع مرتدا - وفي مكة سطا ببيت من البيوت بعد أن نقبه فأدركه المشركون فقتلوه، وقيل إن الحائط الذي نقبه سقط فبقي في النقب حتى أخرجوه منه، ثم خرج بعدها إلى الشام في قافلة فقبض متلبسا بسرقة أموال فرجموه وقتلوه.

وقيل إنهما نزلتا في نفر قريش قدموا المدينة وأسلموا ثم انقلبوا إلى مكة مرتكسين في الردة 157.

وأنسب الكلام في ذلك أن يقال إنهما تتناولان كل من يخالف عن أمر الله في شرعه ودينه أو من يخالف المسلمين في طريقهم الذي ارتأوه وسلكوه، والعبرة بعموم المعنى لا بخصوص السبب رغم ما يحتويه السبب من وسيلة تسعف في الوقوف على حقيقة المعنى.

وقوله: (يشاقق) فعل مضارع مجزوم لوقوعه في جملة الشرط وهو من المشاققة أو الشقاق ومعناه الخلاف والعداوة - وأصل ذلك الشق ومعناه نصف الشيء، أو الناحية من الجبل، وتلك حال الذين يخالفون عن أمر الله في شرعه ودينه أو الذين يعادون النبي (ص) فلا يؤمنون ببعثه ورسالته ويناصبونه الكيد والخصام، فأولئك جميعا مثلهم كالذي يصير في شق (ناحية) وشرع الله ورسوله في شق آخر - وهما شقان مختلفان قد بعدت بينهما الشقة واختلفت الحال - وفي ذلك تصور كريم يجعل للذهن حقيقة وافية مستبينة تتجلى فيها حال أهل الباطل من مشركين وملحدين ومنافقين وهم جميعا ليسوا على منهج الله ويرفضون السير في ظله حيث يغشاهم التوفيق والهناءة والرحمة ولكنهم أبوا إلا المضيّ في طريق زائغ متعرّج مقابل للطريق السوي المستقيم الذي كتبه الله للناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت