قوله تعالى: {فإن كنت في شك مما أنزل إليك فسئل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين 94 ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين 95 إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون 96 ولو جاءهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} يخاطب الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم مبينا له: أنك إن كنت في شك مما أخبرناك وأنزلنا إليك من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في صدق رسالتك وحقيقة نبوتك قبل أن تبعث إلى الناس، وأن خبرك مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل، فاسأل المؤمنين من أهل العلم فيهم كعبد الله بن سلام وأمثاله دون الكاذبين الجاحدين الذين كذبوا نبوتك.
علة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشك ولم تخالطه ذرة من ارتياب فيما جاءه من ربه عن بني إسرائيل؛ فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا أشك ولا أسأل) .
قوله: {لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} أي لقد جاءك الخير اليقين أنك مرسل من ربك، وأن أهل الكتاب يعلمون صدق هذه الحقيقة في كتبهم: {فلا تكونن من الممترين} أي الشاكرين المرتابين، من الامتراء وهو الشك وكذا المرية والتماري بمعنى الشك 100.
قوله: {ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين} ذلك تحذير من الله لرسوله أن يكون من المكذبين بآيات الله فيكون من الذين خسروا رحمة الله ورضاه - والظاهر أن مثل هذا التحذير ضرب من التعرض الذي يلوح منه الزجر الشديد والتنديد بالغ بأولئك الضالين المضلين الذين جحدوا ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم فإن كان النبي عليه السلام يحذره الله من الامتراء فيما نزل من الحق وهو أصدق المصدقين، وأجدر أن يكون أتقى المتقين، وأشرف المرسلين، وسيد الأولين والآخرين، فيكيف بالذين كذبوا دعوة الله في اجتراء صريح لئيم وأنكروا ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من الحق مع أنهم كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل؟!
قوله: {إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون} {حقت} أي وجبت، ومنه استحق؛ أي تستوجب 101 - والمراد بقوله: {كلمت ربك} : ما كتبه الله في اللوح المحفوظ أن هؤلاء مصرون على الكفر وأنهم يموتون كفارا - قال الزمخشري في تأويل هذه الآية: ثبت عليهم قول الله الذي كتبه في اللوح المحفوظ وأخبر به الملائكة أنهم يموتون كفارا فلا يكون غيره - وتلك كتابه معلوم مقدر ومراد، تعالى الله عن ذلك 102 - وهو في ذلك يعبر عن تصور المعتزلة في مثل هذه المسألة.
قوله: {ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} هؤلاء الذين حقت عليهم كلمة الله بدوام الكفران والنكول عن عقيدة التوحيد لا يؤمنون ولو جاءتهم الحجج والبينات كاثرة تترى - وهم كذلك ماضون في عصيانهم وتكذيبهم حتى يعاينوا العذاب الوجيع عند الموت، ويؤمنوا أنهم ساقطون في الخسران، وإذ ذالك لا ينفعهم إيمانهم ولا توبتهم كما لم ينفه فرعون إيمانه لما أدركم الغرق 103.