قوله: {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا} يقسمان معطوف على {يَقُومَانِ} والمراد بالشهادة هنا اليمين - وهو قول ابن عباس وآخرين كثير: والمعنى: أن يحلف الآخران اللذان قاما مقام الشاهدين الآثمين - على أن يميننا أحق من يمينهما الكاذبة لما ظهر من استحقاقهما للإثم {وَمَا اعْتَدَيْنَا} أي ما تجاوزنا القول الصدق ولا الشهادة بالحق - ولئن تجاوزنا أو فرطنا في شهادتنا أو يميننا {إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ} أي الذين ظلموا أنفسهم وغيرهم بوضع الباطل موضع الحق فعرضوا أنفسهم لسخط الله وعذابه.
قوله: {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا} الإشارة إلى الحكم الذي سبق تبيينه، من تحليف للشاهدين وحبس بعد الصلاة - أو ما بينه الله في هذه القصة من أحكام الوصية والشهادة في السفر وليس عند المسافر أحد من أهله وورثته، وعنده غير المسلمين - فإن ذلك أقرب إلى أن يؤدي الشهود الشهادة على حقيقتها ووجهها الأكمل الصحيح من غير تحريف في ذلك ولا تبديل ولا خيانة، خشية من الله أو خوف الفضيحة بظهور الخيانة وانكشاف الكذب ورد الأيمان على الورثة بعد أيمانهم فيفتضحون فيما بين الناس.
قوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا} أي خافوا الله واجتنبوا عصيانه ومخالفة أحكامه واسمعوا أوامره ومواعظه سمع خشوع وإخبات وإجابة ولا تخونوا في الأمانات.
قوله: {وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ} إذا لم تتقوا الله وتسمعوا أوامره وأحكامه فإنكم إذًا من الفاسقين، أي الخارجين عن طاعة الله وشرعه - والله عز وعلا لا يهدي الخارجين عن طاعته إلى طريق الجنة (236) .
قوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ} يوم ظرف زمان لقوله: {لاَ يَهْدِي} وقيل: لقوله: {وَاسْمَعُوا} وقيل: منصوب لفعل محذوف تقديره: احذروا - أو اذكروا {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ} وفي ذلك تهديد وتخويف ينذر الغافلين والمفرطين بسوء المصير.
قوله: {مَاذَا أُجِبْتُمْ} أي ماذا كان جواب أممكم إذ دعوتموهم إلى التوحيد وعبادة الله وحده والإذعان لدينه وشرعه - فيقول النبيون: {لاَعِلْمَ لَنَا} واختلفوا في المراد بنفي العلم يوم القيامة - فقد قيل: معناه لا علم لنا ببواطن الأمم - وقيل: معناه لا علم لنا إلا ما علمتنا - ولعل التأويل المقبول لذلك أن النبيين تدهمهم وسائر الأمم غاشية القيامة بأهوالها وأرزائها وفظائعها - وإذ ذاك تجثو الخلائق على الركب فتطيش فيهم الأحلام وتبلغ فيهم القلوب الحناجر فيصيبهم من الروع والفزع ما يصيبهم فيذهلون عن الإجابة.