قوله: {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ} أي ليس ما يفتريه المشركون من اصطناع الأوثان إلا الكذب والظلم والباطل؛ فإنه ليس لله شريك البتة - بل زين لهؤلاء الضالين {مكرهم} وهو كفرهم وإشراكهم؛ فقد زين لهم الشيطان ذلك - سواء في ذلك شيطان الجن أو البشر؛ فكلهم شياطين يزينون للناس الكفر ويحسنون لأذهانهم ونفوسهم فعل المنكرات والمعاصي، وينفرونهم من عقيدة التوحيد وعبادة الله وطاعته والإذعان أوامره أشد تنفير.
قوله: {وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ} صدوا بضم الصاد، على البناء للمفعول؛ أي صدهم الله لفساد قلوبهم وسوء فطرتهم التي تنفر من الحق نفورا - تلك في الفطرة السقيمة التي لا تستجيب لنداء الرحمن ولا تتملى دعوة الحق والنور - أو صدهم الشيطان بمختلف أساليبه ووسائله وأسبابه - وتقرأ بالفتح على البناء للمعلوم؛ أي أن المشركين الضالين المضلين قد صدوا الناس عن دين الله وحالوا بينهم وبين عقيدة التوحيد ومنهج الله بأساليب شتى من الإغراء والإغواء والتضليل، أو الترهيب والإكراه والقسر.
قوله: {وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} يعني من أضله الله عن إصابة الحق بخذلانه إياه؛ فليس من أحد بعده يهديه لإصابة الحق - قال الزمخشري في تأويل ذلك: من يخذله الله لعلمه أنه لا يهتدي فماله من احد يقدر على هدايته 49.
قوله تعالى: {لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ} أي هؤلاء المشركون المضلون الذين يصدون الناس عن دين الحق قد أعد الله لهم عذابا في حياتهم الدنيا هذه - وذلك بمختلف وجوه العذاب والبلاء كالمصائب والأسقام والهزائم وغير ذلك من الآفات والبلايا - ثم يصيرون بعد ذلك إلى ما هو أشد وأنكى وأفظع - وذلك في الآخرة، حيث النار اللاهبة التي تتسجر فيها أبدان الضالين المضلين تسجيرا، وحيث الإذلال والهوان والعذاب البئيس، وحينئذ ليس لهم من أحد يدرأ عنهم شيئا مما حاق بهم من العذاب الوجيع.
قوله تعالى: {مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} {مثل} ، مرفوع على الابتداء - وخبره محذوف وتقديره: فيما يتلى عليكم مثل الجنة، وهو قول سيبويه - وقيل: خبره {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} والأول أقوى 50.
فبعد أن بين الله ما أعده للكافرين الظالمين من عذاب الدنيا والآخرة، ذكر ما أعده لبعاده المؤمنين؛ فقد أعد لهم الجنة ووصفها بأنها تنساح خلالها وفي أرجائها الأنهار - ووصفها أيضا بأنها: {أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا} أي ما فيها من ثمار ومأكل ومشارب وغير ذلك من مطعوم؛ فإنه دائم لا ينقطع - وكذلك ظلها الرخي الظليل مستديم لا يزول.