بيان إجمالي للسورة
هذه السورة مكية كلها، وآياتها تسع وثمانون - وهي تتضمن فيضا من المعاني الجليلة الخيرة، والأخبار العظيمة المؤثرة - ومن جملة ذلك الإخبار عن تكذيب أكثر الأمم السابقة الذين أعرضوا وتولوا عن عقيدة التوحيد، ولجوا في الكفرمعاندين متلبسين بالوثنية والشرك وغير ذلك من ضلالات الآباء والأجداد فكان جزاؤهم الإهلاك والاستئصال، ويوم القيامة يردون إلى الناروبئس القرار.
وفي السورة كثير من الأدلة والبينات على عظيم قدرة الله وأنه الإله الموجد الحق - وفيها تنديد شديد بالمشركين السفهاء الذين زعموا أن الملائكة بنات الله مستأثرين لأنفسهم بالبنين - تعالى الله عن افتراء الظالمين علوا كبيرا.
وتبين السورة أن الله رفع الناس بعضهم فوق بعض درجات تبعا لاختلاف طبائعهم وتفاوت طاقاتهم وقدراتهم واستعداداتهم البدنية والعقلية - وبناء على هذه القاعدة سيتخذ الناس بعضهم بعضا سخريا وهو ما لا بأس فيه ولا غرابة.
وفي السورة إخبار عن نبي الله موسى عليه السلام، إذ دعا فرعون وقومه إلى دين الله ومجانبة الظلم والطغيان والغرور - لكن فرعون طغى وبغى، وتجبر واستكبر فأخذه الله بالتغريق نكال كفره وعتوه وطغيانه.
وفي السورة إخبار عن المسيح ابن مريم عليه السلام - وأن ولادته وبعثه إيذان للساعة وإعلام من الله بدنو قيامها.
وفيها بيان بأحوال الظالمين الخاسرين في النار وما يلاقونه فيها من شديد الأهوال وفظاعة التحريق والاصطراخ والاستيئاس.
إلى غير ذلك من ضروب الأخبار والأفكار والمعاني وألوان التحذير والتهديد والتخويف.
بسم الله الرحمن الرحيم
{حم 1 والكتاب المبين 2 إنا جعلناه قرآنان عربيا لعلكم تعقلون 3 وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم 4 أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين 5 وكم أرسلنا من نبي في الأولين 6 وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزءون 7 فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين}
تقدم الكلام عن بعض فواتح السور من حروف التهجي المقطعة مثل {حم} وخير ما قيل في المراد بها، إن ذلك مرده إلى الله فهو سبحانه العليم بما أراد.
قوله: {والكتاب المبين} الواو للقسم، فالله جل جلاله يقسم بكتابه المبين، وهو قرآنه الواضح في معانيه، الظاهر في مقاصده وأخباره ومراميه، على إنزال هذا القرآن عربيا ليتدبره الناس
وهو قوله: {إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون}
{إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} أي سميناه أو أنزلناه {قرآنا عربيا} فقد نزل القرآن بلسان العرب، لا جرم أن لغة العرب كريمة وعذبة ومميزة، فهي لسان أهل السماء، ولسان أهل الجنة في الجنة - فضلا عما يتجلى في لغة العرب من حلاوة النظم والأسلوب، وجمال الإيقاع والنغم، وجرس الألفاظ والحروف، وسرعة التأثير والنفاذ إلى الأذهان والقلوب - كل هاتيك الحقائق والمزايا التي تجلّي اللغة العربية، قد خولتها أن تتصدر اللغات جميعا في مدى الصلوح للتخاطب والتبليغ والتذكير.