قوله: {حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار} ذلك من جملة التخاصم الشديد بين أهل النار وهم يتلاومون ويتشاتمون في النار ويوبخ كل قبيل منهم الآخر - والمراد بأخراهم في الآية الأتباع والرعاع - أما أولاهم فهم القادة وأئمة الكفر الذين أضلوهم وزينوا لهم الكفر والباطل - ومعنى الآية: أنه إذا تداركت الأمم أو اجتمعت جميعا في النار فالتقى فيها الأولون والآخرون من الأمم الضالة المكذبة قالت آخر كل أمة وهم الأتباع عن أولادهم وهم السادة والقادة مخاطبين ربهم: يا ربنا هؤلاء أضلونا عن سبيلك في الدنيا ودعونا إلى عبادة غيرك من الآلهة المفتراة، وهم الذين سولوا لنا الكفران والطغيان وأن نعبد الشيطان، فآتهم اليوم في مقابلة ذلك الضعف من العذاب - والمراد بالضعف الزائد على مثله مرة أو مرات.
قوله: {قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون} ذلك إخبار من الله أن لكل من الفريقين وهما الأتباع والمتبوعون الضعف - فللأولى ضعف، وللأخرى ضعف أما ضعف الأتباع: فهو من أجل ضلالتهم واتخاذهم الرؤساء وقادة الضلال والكفر أئمة لهم، لا يصدون إلا عن أمرهم - وأما المتبوعون فضعفهم من العذاب من اجل إضلالهم غيرهم وإغوائهم إياهم فضلا عن ضلالهم أنفسهم وتكذيبهم رسل ربهم - {ولاكن لا تعلمون} أي ولكنكم يا معشر أهل النار لا تعلمون ما أعده الله لكم من العذاب.
قوله: {وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل} بعد أن سأل الأتباع ربهم أن يضاعف العذاب لمن أضلوهم من الساسة والرؤساء، وبعد الجواب من الله الذي لا معقب له، قالت أولى كل أمة لأخراها: نحن وإياكم في العذاب شركاء متساوون، فليس لكم علينا من فضل بتخفيف شيء من العذاب عنكم.
قوله: {فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون} ذلك من كلام القادة لأتباعهم الضالين وهو أننا جميعا ساقطون في العذاب بسبب اشتراكنا وإياكم في الضلال والكفر وتكذيبنا لما انزل الله، فذوقوا العذاب لما كسبتموه من العصيان والتكذيب - يقولون ذلك على سبيل التشفي ومن باب اليأس وانقطاع الرجاء 58.