فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 2536

قوله: {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل} أم منقطعة بمعنى بل - والكلام هنا ينطوي على توبيخ وتحذير لأمة هذا النبي الخاتم (صلى الله عليه وسلم) - وذلك لما أرادت قريش مضاهأة بني إسرائيل في سؤالهم لنبيهم موسى أن يريهم الله جهرة - فقد ذكر أن قريشا سألوا نبيهم محمدا (صلى الله عليه وسلم) أن يأتيهم بالله والملائكة قبيلا، وسألوه كذلك أن يجعل لهم الصفا ذهبا - وهم لا يقولون ذلك إلا على سبيل التعنت واللجوج في الكفر - وليس في مثل هذه المساءلات إلا الشرود عن دعوة الحق الواضحة الجلية أو العتو والنفور من عقيدة التوحيد، ومن يفعل ذلك فقد تبدل الكفر بالإيمان وضل سواء السبيل - وسواء السبيل أي الطريق السليم وهو طريق الله الذي دعا إليه النبيون والمرسلون 93.

109 - (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

قوله تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير} يتمنى كثير من أهل الكتاب - يهودا ونصارى- لو يرتد المسلمون عن دينهم إلى الكفر - وقوله: {حسدا} مفعول لأجله - أي أن تمنيهم بردة المسلمين إلى الكفر أساسه الحسد الذي تختزنه نفوس هؤلاء الضالين المبغضين والذين لا يتمنون للإسلام والمسلمين غير التدمير والخسران - فهم يحسدون المسلمين على ما جاءهم من الحق - وهو الحق في العقيدة الواضحة المستنيرة المستقيمة، الحق في التشريع العظيم الذي يتناول قضايا البشرية في كل مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقضائية والتربوية، وهو الحق الذي يصنع الإنسان الصالح المميز، بكل ما في الكلمة من معنى - إنه المميز في طبعه السليم، وفي خلقه السوي المفضال، وفي سيرته وسلوكه المبرأ من آفات المشركين والمضلين والمفسدين.

إن هذا الإنسان الصالح، في طبعه ونفسه وسلوكه، والصالح في فكره وما حواه العقل من مذخور المعرفة والتصور، لهو الذي يثير في نفوس الكفرة المتعصبين اللُّد خصلة الحسد فيتمنون بذلك عودة المسلمين إلى دين غير دينهم، إلى دين أو ملة أخرى تحرفهم عن سلامة العقيدة والفكر، وعن سلامة الوعي والتصور الذي يبعثه الإسلام في الإنسان - يتمنون أن تتجه قلوب المسلمين وعقولهم إلى أية عقيدة أو ديانة أخرى غير الإسلام؛ ليتسنى بعد ذلك قودهم إلى مباءات الضعف والخور والانحلال والتبعية فينماعوا في الأرض شاردين ضالين حيارى - أو ليتقلبوا ضعافا تابعين تتشبث أهواؤهم بأهل الكتاب وهم يركضون وراءهم ركض اللاهث الذليل المستضعف.

والحسد نوعان: أحدهما مذموم، والآخر محمود - أم المذموم: فهو أن يتمنى المرء أن تكون له النعمة كالتي عند غيره مع رغبته في زوالها من عند هذا الآخر، والتمني في ذاته لا بأس فيه لو لم يكن مقترنا برغبة الزوال للخير والنعمة من عند الآخرين - وهو إحساس يبسط للعيان حقيقة طبع فاسد وبغيض يتمنى معه الحسود لو تنمحق النعمة أو الخير من عند أصحابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت