فهرس الكتاب
وهذا إخبار من الله عن نبيه نوح عليه السلام؛ إذ قال للذين آمنوا معه، يأمرهم بالركوب في السفينة {اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها} ، {مجراها} أي جريها على سطح الماء، و {مرساها} بمعنى رسوها - رست رسوا ومرسى - ورسا الشيء: ثبت - والرواسي من الجبال: الثوابت الرواسخ، واحدثها راسية 51 - والمراد بمرساها: أنها بلغت منتهى سيرها وهو رسوها.
قوله: {إن ربي لغفور رحيم} الله غفار للذنوب، يتجاوز عن خطايا المسيئين والعاصين، وهو أيضا رحيم بعباده المؤمنين الطائعين - ومن رحمته أن نجى هؤلاء الذين في السفينة؛ فهم ما بين مؤمن مقر لله بالوحدانية، أو بهيمة عجماء لا ذنب لها وما عليها من حساب، ويريد الله ألا ينقطع أصلها من الدنيا.
قوله: {وهي تجري بهم في موج كالجبال} الموج: ما علا من سطح الماء وتتابع، وجمعه أمواج، وواحد الموج: الموجة 52، وقد شبه الموج بالجبال لعظمتها وتراكمها وارتفاعها عن سطح الماء؛ فقد ركب نوح والذين معه السفينة مسمين باسم الله وهي تجري بهم فوق المياه المائجة الزاجرة التي تضطرب فيها الأمواج وتنداح 53 - فقد مضوا متمثلين أمر الله ومستسلمين لجلاله وهم تحف بهم من الله الكلاءة والرعاية والرحمة، حتى تحقق في العالمين ما كتبه الله للخليقة في الأزل من المقادير.
قوله: {ونادى نوح ابنه وكان في معزل} كان ابن نوح كافرا، وبذلك سوف يصير إلى الغرق مع الهالكين، فحملت نوحا شفقة الأبوة على مناداته ليركب في السفينة فينجو بنفسه من الغرق {وكان في معزل} أي في منحى - انعزل عن الناس إذا تنحى عنهم جانبا - وفلان بمعزل عن الحق، أي مجانب 54 له أي كان عند نداء أبيه قد عزل نفسه عن وقومه فتنحى عنهم جانبا فناداه أبوه {يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين} دعا نوح ابنه -وقيل اسمه كنعان- أن يؤمن برسالة التوحيد مع المؤمنين في السفينة فينجو بنفسه من الغرق المنتظر الذي سيأتي على الكافرين جميعا - لكن ابنه كان ظالما لنفسه فأبي إلا الهلاك والخسران
{قال سآوي على جبل يعصمني من الماء} سألجأ إلى جبل يمنعني من الماء فلا أغرق، ظنا منه أن الطوفان لا يبلغ رؤوس الجبال، فإذا تعلق جبل نجا، وهو في ذلك واهم جهول، فما علم أن الطوفان غامر وهادر وسيأتي على الخليقة جميعا.
وذلكم هو تقدير الله الذي يجازي المجرمين والجاحدين والمتكبرين سوء التنكيل في هذه الدنيا قبل يوم الحساب {قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} لا مانع اليوم من الطوفان الذي سلطه الله على الظالمين - أما من وحمه الله؛ فإنه يمنعه من هذا العقاب المغرق.
قوله: {وحال بينهما الموج فكان من المغرقين} حال الموج الجارف المنداح بين نوح عليه السلام وابنه الظالم لنفسه؛ فهلك مع الهالكين بالتغريق 55.
قوله تعالى: {وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين} .