قوله: {وليقولوا درست} وليقولوا، عطوف على فعل مقدر - والتقدير: نصرف الآيات لتقوم الحجة وليقولوا درست - أي ليصير عاقبة أمرهم إلى الجحود وإلى أن يقولوا: {درست} أي قرأت وتعلمت من أهل الكتاب - وهذا إخبار من الله ينبئ فيه عن المشركين أنهم كانوا يقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنما يتعلم محمد ما يأتيكم به من غيره - وقيل: درست وتعلمت من غلامين نصرانيين بمكة 125 - إذ قال أهل مكة: إنما يتعلم محمد منهما - وهذه مقالة سوء وفرية فاضحة يهذي بها المشركون السفهاء هذيان الأحمق الكذاب الذي تضيق به سبل الاحتجاج ليتشبث في النهاية بأكذب ما تصطنعه حناجر السخفاء والأشقياء والمعاندين وهم يتهمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يتعلم ما يقرأه على الناس من قرآن، من أهل الكتاب - إن هذا لإفك التعساء والخراصين والمناكيد!
قوله: {ولنبينه لقوم يعلمون} اللام للتعليل - والضمير لمصدر {نصرف} فيكون المعنى: لنبين تصريفنا للآيات لقوم يتبعون الهدى إذا سمعوه ويقبلون الحق إذا تبين لهم - وقيل: الضمير للقرآن 126.
قوله: {اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين (106) ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل} يأمر الله نبيه بدوام الاتباع لما أوحاه إليه ربه من دين قد حوى من الأحكام والمعاني ما يكفل للإنسانية السعادة والخير والنجاة - ويأمره أيضا بمجانبة الشرك وما يدعوه المشركون إليه من عبادة الأوثان - فإنه لا معبود ولا خالق ولا هادي يستحق العبادة سوى الله جل وعلا - ويأمره كذلك بلزوم الإعراض عن المشركين وعدم الالتفات إليهم وأن يدعهم وما يدينون - ثم نسخ ذلك بقوله تعالى في سورة براءة: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} .
قوله: {ولو شاء الله ما أشركوا} أي لو شاء الله أن لا يشركوا ما أشركوا - ولا يعني ذلك أن الله يمنع الإيمان عن الكافر مع توجهه إليه - بل المعنى أن الله تعالى لا يريد الإيمان من الكافر لسوء اختياره الذي نشأ من سوء استعداده.
قال النسفي في تأويل هذه الآية: لا يشركون على خلاف مشيئة الله ولو علم منهم اختيار الإيمان لهداهم إليه ولكن علم منهم اختيار الشرك فشاء شركهم فأشركوا بمشيئته.
قوله: {وما جعلناك عليهم حفيظا} أي ما جعلناك رقيبا تحفظ عليهم أعمالهم وأقوالهم أو ليس في مستطاعك أن تحفظهم من العذاب.
قوله: {وما أنت عليهم بوكيل} أي ما أنت عليهم بقيم ولا موكل على أرزاقهم وأمورهم - ما أنت إلا مبلغ وعلى الله الحساب 127.
قوله تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون} .
قال ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: قالوا: يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون ربك فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم فيسبوا الله عدوا بغير علم.