الثاني: أنها واجبة وأن تاركها آثم يستحق العقاب، وذلك استنادا لبعض الأئمة في السنة يقضي ظاهرها بوجوب الجماعة، وكذلك هذه الآية التي تنحن بصددها (واركعوا مع الراكعين) .
وقد ذهب الى وجوبها أحمد بن حنبل وأهل الظاهر وآخرون.
الثالث: أنها فرض كفاية بحيث يسقط الوجوب إذا ما أقيمت وأداها فريق من المسلمين وذلك الذي ذهب إليه بعض أهل العلم.
هذه خلاصة الأقوال الثلاثة الواردة في حكم الجماعة، وإني وإن كنت أتصور أهمية هذه الأقوال جميعا، نظرا لاستنادها الى الأدلة الصحيحة، لكنني أطمئن للقول الأول وهو أن الجماعة من حيث الحكم تأتي على السنة المؤكدة وذلك بالنظر الى إمكانية التأويل لأدلة القولين الآخرين، وهو تأويل يورد الاحتمال الذي ينخرم معه الاستدلال، ويعزز القول بالسنية المؤكدة حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:"صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن عمر، وفيه بيان بالأفضل والمفضول وأن المفضول لا يكون إلا صحيحا مشروعا وهو لا يوجب عقابا والله سبحانه أعلم - 37"
قوله تعالى: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه يرجعون (الهمزة في قوله: (أتأمرون (للإنكار والتوبيخ، أو للتعجب من حالهم - 38
البر معناه الطاعة وهو يتضمن كل وجوه الخير والفضل فيما يكون طريقا الى مرضاة الله سبحانه، والنسيان الوارد في الايسة معناه الترك وليس ما يكون ضد الذكر والمقصود بالكتاب التوراة والإنجيل لما فيهما من خير ونور وذلك من قبل أن يصيبهما التزييف والتحريف.
والآية تتضمن توبيخا وتقريعا يلتذع بهما أهل الكتاب، لأنهم يدعون الى الخير ويأمرون بالطاعات لكنهم يمتنعون من فعل شيء من ذلك، فهم بذلك يأمرون بالفضائل ويتركون أنفسهم من الائتمار أو هم يخالفون عما أمروا به الى عكس ذلك من وجوه الحرام.
قوله: (وأنتم تتلون الكتاب لأفلا تعقلون (الواو تفيد الحال، والجملة الاسمية بعدها في محل نصب حال، أي كيف يليق بكم أن تكونوا دعاة خير وبر أو أن تأمروا الناس بالطاعة والمعروف وأنتم تخالفون عن ذلك كله وتأتون خلاف ذلك الحرام والمنكر مع أنكم تقرأون ما في كتابكم المنزل عليكم من السماء والذي يأمر بالمعروف أولا، وينهي عن عدم الائتمار بالمعروف ثانيا، إذ لا يجوز لأحد بحال أن يأمر بخليقة حسنة ثم يأتي خلافها.
قوله تعالى: (أفلا تعقلون (أليست لكم عقول واعية متدبرة تكشف لكم عن وخامة هذا الخلق الفاسد المشين؟ ألستم تفهمون؟ فإن ذلكم من خلق الذين لا يعون ولا يدركون، هكذا يشدد الله في التقريع المرير على أولئك الذين يدعون الى الخير ويأتون غيره أو ينهون عن الحرام والباطل وهم شالعون في ما نهوا عنه - وذلك خزي وعار تتلطخ بهما أخلاق الذين لا يستحيون من الله والذين يسعون في الأرض فاسدين مذبذبين حيث لا تتوافق أقوالهم وأفعالهم سواء في الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر.
ومن أشد ما جاء في الكر من حيث الإغلاط على هذا الصنف الكاذب الخسيس مخن النار قوله سبحانه: (يأيها الذين ءامنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) .