وقوله: (ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين) .
(الملأ) اسم جمع ويراد به هنا القوم من بني إسرائيل - والله عز وجل يقص علينا من أخبارهم من بعد موسى عليه السلام إذ كانوا يطلبون من نبي لهم- قيل: اسمه شمعون، وقيل: شمويل أني عين لهم من أنفسهم ملكا يقودهم إلى حرب أعدائهم الذين أذلوهم واحتلوا ديارهم فسألهم نبيهم: (هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا) أي هل من احتمال في أنكم سوف لا تقاتلون عدوكم إذا ما فرض عليكم قتاله؟ لكنهم أجابوا بصيغة الاستفهام الذي ينطوي على استنكار بما يؤكد على أنهم سيقاتلون عدوهم بغير تخلف أو إبطاء - هذا العدو الذي طردهم من البلاد فاستولى على الأموال وسبي الأولاد، وما أن كتب الله عليهم القتال حتى تخلف أكثرهم عن هذه الفريضة ولم يتصدّ لحرب العدو إلا الفئة المؤمنة الثابتة الصابرة، وفي ذلك يقول سبحانه: (فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم) 314.
247 - (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)
ثم توعدّ الله الذين نكصوا على أعقابهم وتولوا عن فريضة الجهاد مدبرين بقوله:
قوله تعالى: (وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم) استجاب الله لنبي إسرائيل فبث منهم ملكا لهم اسمه طالوت - وهو من غير ذوي النسب والحسب، ولم يكن سليلا لملوك أو مشاهير، بل كان من الفقراء الأتقياء المتواضعين، لكن هذا التقدير الرباني الكريم أثار في نفوس بني إسرائيل الحسد فجنحوا كعادتهم إلى الحدي عن صراط الله والتمرد على أمره، وذلك لما قالوا: (أنى يكون له الملك علينا ونحن حق بالملك منه) أي كيف لطالوت أن يكون ملكا علينا مع أننا أحق بذلك منه؛ وذلك لعراقتنا وصلتنا بالملوك، وكذلك فإن طالوت لم يؤت سعة من المال حتى يتسنى له أن يكون ملكا علينا، وذلك هو تصور يهود للأمر، تصور قائم على الاعتبارات التي اختلقتها الأعراف الضالة، الأعراف التي لا تعبأ بالعقيدة الصحيحة المجردة، ولا تعبأ بالقيم والمبادئ الكريمة، وإنما تعبأ باعتبارات المال أو النسب أو الحسب أو غير ذلك من وجوه الشهرة والامتيازات الفاسدة.
لكن الله جل وعلا ردّ مقالتهم وتصورهم هذين ليبين لهم أن طالوت قد اختاره الله ملكا عليهم؛ لما يتجلى في شخصه من مزايا تؤهله أن يسوس الناس - وقد ذكر الله من هذه المزايا اثنتين أساسيتين هما: البسطة في العلم، والبسطة في الجسم - وذلك ما يجعله الحاكم صالحا لهذه المهمة الكبيرة - فهو إذا كان ذا علم سديد نافع، وذا جسم متين قوي يكسبه المهابة وينتزع له من قلوب الناس ومشاعرهم مظاهر التقدير والإذعان والطاعة، فقد كتب له التوفيق والنجاح في حكمه.