فهرس الكتاب

الصفحة 651 من 2536

قوله: {وكيف يحكمونك وعندهم التورة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك} هذا تعجيب من تحكيم يهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أنهم لا يؤمنون به أصلا - فقد حكموه في حد الزاني وهو منصوص عليه في كتابهم الذي يدعون الإيمان به، وهو التوراة - والحقيقة أن التحكيم منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن القصد منه معرفة الحق وإنما هو لطلب الأهون وهو لم يكن حكم الله تعالى بزعمهم، بل كانوا يعلمون الحكم الصحيح الذي تضمنته التوراة وهو الرجم - وبعد ذلك كله أعرضوا عن حكم الرسول صلى الله عليه وسلم في المسألة بعد أن حكموه فيها - وما ذلك كله إلا لفرط عنادهم وجهلهم ونكولهم عن الحق حيثما كان، سواء في التوراة أو القرآن - وإنما مرادهم بلوغ الأسهل والأهون إقبالا على الأهواء والشهوات وحرصا على الحياة الدنيا.

قوله: {وما أولئك بالمؤمنين} أي ليسوا مؤمنين بك يا محمد ولا بصحة حكمك فهم بذلك كافرون - وقيل: ليسوا مؤمنين بكتابهم التوراة وإن كانوا يصطنعون الإيمان بها - فقد أبوا الاحتكام إليها في أمر الزاني، لأنه الرجم وهو يرومون دون ذلك وهو الجلد - وبذلك فإنهم لا إيمان لهم بشيء 108.

44 - (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)

قوله تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بئايتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} أنزل الله التوراة هدى لبني إسرائيل، أي ترشيد لهم بما يدلهم على طرق السعادة والنجاة ويبين لهم الأحكام والشرائع والتكاليف - وكذلك أنزلها لهم نورا، أي ضياء يكشف ما تشابه عليهم - وقيل: بيان بأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم حق.

قوله: {يحكم بها النبيئون الذين أسلموا} الجملة حال من التوراة - وقيل الجملة مستأنفة مبينة لشأن التوراة وسمو رتبتها - والمراد بالنبيين هنا، النبيون من لدن موسى إلى عيسى المسيح عليهم الصلاة والسلام، وكان بين الاثنين ألف نبي.

وقيل: أربعة آلاف نبي - وقيل: المراد بهم هذا الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم ومن قبله من أنبياء بني إسرائيل - ويقتضي هذا التأويل أن يكون شرع من قبلنا شرعا لنا ما لم ينسخ.

قوله: {الذين أسلموا} أي استسلموا وانقادوا لأمر الله، امتثالا لما كلفهم به - والإسلام لفظ عام معناه الخضوع والإذعان لأوامر الله والانقياد للتكاليف والأحكام الشرعية - فلا جرم أن يتناول مضمون الإسلام سائر النبيين والمرسلين من لدن آدم حتى النبي الخاتم عليهم الصلاة والسلام.

وقوله: {للذين هادوا} أي تابوا من الكفر - وهم اليهود.

والتقدير، أن النبيين من بعد موسى - وكلهم على ملة الإسلام بما يعنيه الإسلام من خضوع وامتثال واستسلام لأمر الله - كانوا يحكمون بالتوراة فيما بين اليهود فلا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها أيما تحريف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت