وروي عن أنس أيضا أن رسول الله (ص) عاد رجلا من المسلمين قد صار مثل الفرخ، فقال له رسول الله (ص) :"هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟ ّ"قال: نعم كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا - فقال رسول الله (ص) :"سبحان الله لا تطيقه- أو لا تستطيعه - فهلا تقل: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) "قال: فدعا الله فشفاه.
قوله: (وقنا عذاب النار) (وقنا) جملة فعلية تتضمن فعل أمر، والفاعل يعود على لفظ الجلالة والضمير المتصل"نا"في محل نصب مفعول به أول - (عذاب) مفعول به ثان - وقنا من الوقاية وهي الصون والحماية - والآية دعاء عظيم يلهج به لسان المؤمن متضرعا إلى ربه ان يحفظه من عذاب النار وأن يمتّن عليه بإدخاله الجنة فيكون من الناجين من العذاب والفائزين بعظيم العطاء والثواب.
وقوله: (أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب) اسم الإشارة في محل رفع مبتدأ - خبره الجملة الإسمية (لهم نصيب) في محل رفع - والإشارة تعود على المؤمنين الذين يدعون ربهم ويتضرعون إليه في خشية وتوسل وإخبات أن يعطيهم من خير الدنيا والآخرة - وهؤلاء هم أولو الحظ الكبير من عطاء الله ورضوانه يوم القيامة.
قوله: (والله سريع الحساب) (الحساب) يراد به الجزاء يوم القيامة - والله جل جلاله سريع المجازاة لعباده على أعمالهم - وهو سبحانه يحاسب الناس كنفس واحدة - قيل لعلي بن أبي طالب- رضي الله عنه-: كيف يحاسب الله العباد في يوم؟ قال: كما يرزقهم في يوم 265.
قوله تعالى: (واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون) يأمر الله عباده أن يذكروه في أيام معدودات والمراد بالأيام المعدودات أيام منى وهي أيام التشريق وعدتها على الأرجح أربعة أيام - وهي يوم النحر والأيام الثلاثة الأخرى بعده، وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء وفيهم ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو موسى الأشعري وعطاء ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والزهري وغيرهم كثيرون.
وقيل: إن الأيام المعدودات ثلاثة هي يوم النحر ويومان آخران بعده، وللحاج أن يذبح في أيهن شاء - وهو مذهب علي بن أبي طالب.
وما يحتج به للقول الأول قوله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه) وظاهر ذلك يدل على أن عدة هذه الأيام بعد يوم النحر أكثر من يومين - وفي الحديث ما يؤيد ذلك - فقد ورد عن النبي (ص) قوله:"وأيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه"والأيام الثلاثة هي غير يوم النحر - والحاج الذي يريد أن يتعجل المقام للرمي في يومين يصير مقامه بمنى ثلاثة أيام بيوم النحر.
على أن هذه الأيام المعدودات يراد للمسلمين فيها أن يذكروا الله بالتكبير بعد الصلوات المكتوبات - وصورة التكبير في هذه الأيام الجليلة العطرة أن يهتف المؤمنون جميعا: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد.