قوله: {والله متمّ نوره ولو كره الكافرون} الله مظهر دينه الإسلام - دين الحق والعدل والتوحيد - مظهره في العالمين ليشرق ضياؤه في الآفاق وليشعشع نوره الساطع يملأ الدنيا - وذلكم وعد من الله غير مكذوب ولن يخلف الله وعده، فلقد ملأ الإسلام الأرض والآفاق وشاعت معانيه وأحكامه وكلماته حتى عمت سائر أنحاء العالم - وإذا ما انتكس المسلمون في كثير من الأحوال والمراحل فخبا بانتكاسهم نور الإسلام، فإن هذا الدين العظيم ما يلبث - بخصائصه المميزة الكبرى- أن يعلو ويشيع ويستطير ليتجدد فيه الظهور والاستعلاء والشموخ من جديد فيعم الدنيا بنوره وعدله وفضله - وذلك بالرغم من كراهية المشركين الظالمين المتربصين - وبالرغم مما يكيدونه للإسلام من مختلف المكائد والمؤامرات والحيل لإضعافه وتدميره - فما يبوء تربصهم اللئيم ومكائدهم وأساليبهم الماكرة الخبيثة إلا بالخسران والفشل.
قوله: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} الله أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم للناس ومعه الهداية والرشاد ودين الحق وهو الإسلام، {ليظهره على الدين كله} أي ليكون الإسلام مهيمنا على الأديان كلها، وليكون هو الغالب في العالمين، وذلك بأمر الله الذي بيده المقاليد والمقادير جميعا، وبما يتجلى في الإسلام من خصائص الكمال والاستقامة والصلوح، فإنه بذلك كله ظاهر وغالب ومهيمن على الدين كله بالرغم من تربص المشركين وكراهيتهم لهذا الدين وفظيع تمالئهم عليه 6.
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم 10 تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون 11 يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم 12 وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين} .
ذكر أن هذه الآية نزلت في عثمان بن مظعون - وذلك أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أذنت لي فطلقت خولة وترهّبت، واختصيت وحرّمت اللحم ولا أنام بليل أبدا ولا أفطر بنهار أبدا - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن من سنتي النكاح، ولا رهبانية في الإسلام إنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله، وخصاء أمتي الصوم، ولا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم - ومن سنتي أنام وأقوم، وأفطر وأصوم، فمن رغب عن سنتي فليس مني"فقال عثمان: والله لوددت يا نبي الله أي التجارات أحب إلى الله فأتّجر فيها: فنزلت، الآية خطابا للمؤمنين {هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} فقد شبه الله الأعمال الصالحة التي تفضي إلى الخير والنجاء وحسن المصير - بالتجارة السليمة القويمة التي تفضي إلى البركة والربح الكبير - وقد فسر التجارة بقوله: {تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم} .