قوله تعالى: {وقفينا على ءاثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وءاتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين (37) وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} قفينا، أي أتبعنا، من التقفية أي الإتباع - نقول: قفيته بمعنى عقبته إذا أتبعته - وقفا فلان إثر فلان إذا تبعه - والتقدير هنا: أتبعناهم على آثارهم {بعيسى ابن مريم} أي جعلنا عيسى يقفو آثارهم - أي آثار النبيين الذين أسلموا - وقوله: {مصدقا} الأولى منصوب على الحال من عيسى - وقوله: {لما بين يديه} يعني التوراة - والمعنى أن عيسى عليه السلام مقر بأن التوراة كتاب منزل من عند الله، وأنها حق، وأن العمل بها واجب إلى أن يأتي ما ينسخها.
قوله: {وءاتيناه الإنجيل} معطوف على {قفينا} وقوله: {فيه هدى ونور} الجملة في محل نصب على الحال من الإنجيل، هذا الكتاب الرباني الكريم الذي حوى من معاني الهداية والترشيد والضياء ما يصلح عليه حال بني إسرائيل في ذلك الزمام لو اتبعوه.
قوله: {ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين} مصدقا منصوب على الحال من الإنجيل - والتقدير أن عيسى عليه السلام قد أوتي الإنجيل حال كونه مصدقا للتوراة، وعلى هذا فالتصديق الأول منوط بعيسى إذ جاء مصدقا للتوراة، والتصديق الثاني منوط بالإنجيل إذ جاء مصدقا للتوراة كذلك - وقيل {مصدقا} الثاني يمكن حمله على التبشير بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله: {وهدى وموعظة للمتقين} معطوف على {مصدقا} أي أن الإنجيل جاء مشتملا على النصائح والمواعظ والنواهي البليغة، وقد خصها الله بالمتقين لأنهم المنتفعون بها دون غيرهم من المعرضين المستنكفين.
قوله: {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه} اللام للأمر - وذلك كقوله {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} والتقدير: ليحكم أهل الإنجيل بما في كتابهم (الإنجيل) من أوامر وتعاليم، ومن جملتها الدلائل المبينة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما قررته شريعته عليه الصلاة والسلام من أحكام - أما ما نسخته شريعة الإسلام فلا مساغ للعمل به بعد نسخه البتة - وإنما يتصور ذلك في الفروع - أما الأصول كالتوحيد وأركان الإيمان فلا يتصور فيه نسخ - وقد ذكر الرازي جملة المراد بكيفية الأمر بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن، في ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن المراد ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه من الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثاني: ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه مما لم ينسخ بالقرآن.
الوجه الثالث: أن المراد زجرهم عن تحريف ما في الإنجيل وتغييره كالذي فعله اليهود في إخفاء أحكام التوراة.
قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} اسم الإشارة، أولئك في محل رفع مبتدأ - هم، ضمير فصل - الفاسقون خبر المبتدأ - وقيل: هم مبتدأ ثان، وخبره الفاسقون - وكلاهما خبر أولئك في محل رفع - والفاسقون من الفسق، وهو الترك لأمر الله والخروج عن طريق الحق - ومنه الفاسق لانسلاخه من الخير؟ وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها على الناس - والفاسقون من الناس الخارجون عن حكمه وعن الإيمان - أو الخارجون عن أمر الله، المخالفون له فيما أمرهم ونهاهم في كتابه 126.