قوله: {قال فما بال القرون الأولى} سأل فرعون موسى وأخاه هارون عن الأمم الخالية و الأجيال الغابرة الذين مضوا ولم يؤمنوا برسالات النبيين فما حالهم وما مصيرهم.
فأجابه موسى: {علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى} {علمها} ، مرفوع؛ لأنه مبتدأ - وخبره: {في كتاب} - وعند ربي ظرف متعلق بالخبر - وقيل: {عند ربي} ، في موضع نصب على الحال - والمعنى: أن أعمال الأمم السابقة محفوظة عند الله مضبوطة عليهم، و علمها في كتاب الله وهو اللوح المحفوظ - فالله لا ينسى و لا يغفل ولا يفوته من علم الكون شيء، صغيرا أو كبيرا.
قوله تعالى: {الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى (53) كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (54) منها خلقناكم و فيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (55) } {الذي} ، صفة لقوله: {ربي} أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو الذي - أو منصوب بمضمر تقديره: أعني - والمهد، ما يبسط و يفرش؛ أي جعل لكم الأرض مفترشا و قرارا تستقرون عليها، وجعل لكم فيها طرقا تسلكونها فتقضون حوائجكم وأشياءكم في سهولة ويسر، وأنزل عليكم من السماء مطرا فيه غيثكم ورزقكم؛ إذ يخرج الله لكم به أصنافا مختلفة من أنواع النبات - و {شتى} ، فعله: شت شتا؛ أي تفرق - والاسم الشتات - وشيء شتيت؛ أي متفرق، وقوم شتى؛ أي متفرقون - وشتان بينهما؛ أي بعد.
قوله: {كلوا وارعوا أنعامكم} أمر إباحة - أي سخر الله لكم نعمة الأرض والماء والحرث لتأكلوا من النبات والزرع، ولترعى أنعامكم الكلأ - وذلكم فضل من ربكم امتنّ به عليكم لتكونوا في حياتكم راغدين مستقرين.
قوله: (إن في ذلك لآيات لأولي النهى) أي أصحاب العقول والنهى، جمع نهية، بضم النون - وسميت النهى؛ لأنها تنهى عن فعل القبائح.
والمعنى: أنه فيما ذكر من النعم والمنن لَأعظَم الحجج والبراهين التي يستند إليها أولو العقول النيرة للوقوف على قدرة الله الخالق الصانع.
قوله: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} ذلك تقدير رباني عظيم كتبه الله على آدم وذريته من بعده، وهو خلْقهم من تراب - والمراد هنا آدم أبو البشر (وفيها نعيدكم) أي إذا متم تدفنون في الأرض، وهذه عودتهم إليهم (ومنها نخرجكم) أي نخرجكم من قبوركم التي في الأرض للبعث والحساب (تارة أخرى) مرة أخرى - يعني: أخرجناكم من الأرض ونخرجكم منها بعد الموت مرة ثانية.
وفي هذه الحقيقة المريعة، من بالغ العظة ما يديم التذكر في نفس الإنسان - التذكر الذي لا ينقطع والذي يظل يخالج النفس والذهن؛ ليظل الإنسان مشدود اليقظة والتنبه، مستديم الحرص والازدجار، وهو يذكر أنه صائر لا محالة إلى نهايته المحتومة المنتظرة في التراب حيث الرقدة الطويلة إلى يوم البعث.