فهرس الكتاب

الصفحة 841 من 2536

إن هذه إحدى المعضلات الذهنية والنفسية المستعصية في طبائع أهل الديانات المحرفة من اليهود والنصارى وغيرهم من الوثنيين - أولئك الذين يتيهون في غياهب التعصب الذميم والجهالة الطاغية المطبقة ويتشبثون بما ورثوه عن الآباء من كتب قد خالطها التغيير والتبديل، وصيرها التزييف والتحريف حشدا من الكلام الملفق الموهوم - الكلام المصطنع الغالي الذي يسول لصاحبه ظلم الآخرين من الناس والاعتداء عليهم بكل صور العدوان والإجرام - وهم مع ذلك يظنون واهمين أنهم ورثوا عن آبائهم حقا وصدقا!! والله يعلم، أولوا العلم الصادقون من الناس يعلمون أنهم ما ورثوا من العقائد والملل والتصورات غير الضلال والأوهام والتلفيق من الكلام المتهافت الخاوي.

قوله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين 31 قل من حرم زينة الله التي أخرج لبعاده والطيبات الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون 32 قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطان وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} .

ذلك رد من الله على المشركين السفهاء من عرب الجاهلية فيما كانوا يفعلونه في طوافهم بالبيت عراة؛ فقد روي مسلم عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت في الجاهلية وهي عريانة وعلى فرجها خرقة وهي تقول:

اليوم يبدو بعضه أو كله - - - وما بدا منه فلا أحله

فنزلت {خذوا زينتكم عند كل مسجد} ونزلت {قل من حرم زينة الله} 40.

وقيل: نزلت في حي من أهل اليمن كان أحدهم إذا قدم حاجا أو معتمرا يقول: لا ينبغي أن أطوف في ثوب قد دنست فيه - فيقول: من يعترني مئزرا، فإن قدر على ذلك، وإلا طاف عريانا، فأنزل الله: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} .

وقيل: كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس قريش وأحلافهم، فمن جاء من غيرهم وضع ثياب أحمس؛ فغنه لا يحل له أن يلبس ثيابه، فغن لم يجد من بعيره من الحمس؛ فإنه يلقي ثيابه ويطوف عريانا، وإن طاف في ثياب نفسه؛ ألقاها إذا قضى طوافه يحرمها فيجعلها حرما عليه - فأنزل الله الآية 41 وفي رواية أخرى لمسلم عن عورة عن أبيه قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس، والحمس قريش وما ولدت، كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثيابا فيعطي الرجل الرجل، والنساء النساء، وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة، وكان الناس كلهم يقفون بعرفات.

وفي رواية لغير مسلم: ويقولون نحن أهل الحرم فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا - فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يعيره ثوابا، ولا يسار يستأجره به كان بين أحد أمرين: إما أن يطوف بالبيت عريانا، وإما أن يطوف في ثيابه، فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه فلم يمسه أحد - وكان ذلك الثوب يسمى اللقى 42.

وفي هذه الآية يخاطب الله سائر بني آدم، وإن كان المقصود بنزولها العرب الذين كانوا يطوفون البيت عراة - والعبرة في عموم اللفظ وليس في خصوص السبب - والآية رد ظاهر للعادات السقيمة التي كان العرب الجاهليون يتلبسون بها؛ إذ يطوفون بالبيت عراة - وذلك ما كانت تأمرهم به أحلامهم الضالة ويسوله لهم الشيطان - وليس أدل على ذلك من الطواف بالبيت وهم عراة، ظاهرة سوءاتهم للعيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت