قوله: {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} الشهاب، شعلة من نار ساطعة 6؛ أي فلحقه شهاب نافذ بضوئه وشعاعه المنير 7.
قوله تعالى: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (11) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12) وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (13) وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (15) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ} .
استفتهم: من الاستفتاء وهو نوع من السؤال - والهمزة للاستفهام التقريري؛ أي استخبرهم، والضمير لمشركي قريش أو مكة - وقد عادل في هذا الاستفهام التقريري في القوة الأشدية بين خلْق المشركين المكذبين بيوم القيامة، وخَلْق غيرهم من الأمم والجن والملائكة والأفلاك، والأرضيين - وهو قوله: {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا} {أمْ} استفهام تقريري ثان؛ أي هل هم أقوى خلْقا أو أصعب خلْقا وأشقه أم من خلقنا غيرهم من السماوات والأرض وما فيهما من أفلاك وأجرام وخلائق - وذلك رد لإنكارهم البعث؛ فإن من هان عليه خلْق هذا الكون الهائل العجيب لم يصعب عليه خلق البشر وإعادة إحيائهم من التراب من جديد - وهو قوله: {إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ} واللازب: اللاصق، من اللزوب وهو اللصوق والثبوت 8
والمعنى: لماذا يعجبون من البعث وإحيائهم كرة أخرى بعد الموت - فقد أنشأهم الله من التراب ولا يعزّ عليه إنشاؤهم ثانية من الترب، ويستفاد من الآية أيضا: التنبيهُ على ضعف بني آدم ورخاوتهم؛ لأنهم مصنوعون من الطين الرخو الطري فهم لا يوصفون بالصلابة والقوة.
قوله: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} عجبت بتاء الخطاب؛ أي بل عجبت أنت يا محمد من قدرة الله على خلائقه العظام، وهؤلاء المشركون المكذبون يسخرون منك ومن تعجبك - أو عجبت من إنكارهم البعث وإعراضهم عن دين الله أم من ضلالتهم وعمايتهم عن الحق والهدى، وهم يسخرون من البعث والإحياء بعد أن كانوا رميما.
قوله: {وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ} {ذُكِّرُوا} من التذكير وهو الوعظ، وطريقه الترغيب في الهداية،
والترهيب من العصيان والضلالة - وهؤلاء المشركون العصاة دأبهم العتوّ والتمرد؛
فهم إذا وُعظوا موعظة لا يتعظون ولا يخشون ولا يزدجرون.
قوله: {وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً يَسْتَسْخِرُونَ} إذا رأى المشركون المكذبون شيئا من الخوارق المعجزة، كانشقاق القمر ونحوه فإنهم {يَسْتَسْخِرُونَ} السين والتاء للطلب؛ أي يستدعي بعضهم من
بعضهم أن يسخر من هذه الخوارق {وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ}
{وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ} الإشارة بهذا إلى ما ظهر من الخوارق المعجزة على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم - فهم إذا رأوا شيئا من ذلك أو عاينوه معاينة قالوا مستكبرين مكذبين: ما هذا إلا سحر ظاهر - وذلك هو دأب الجاحدين الضالين؛ فإنهم لا يرون الحقائق واضحة ساطعة بلجة حتى يبادروا معاندين مكابرين بالتكذيب والاستنكاف.