وقوله: (أو الوالدين والأقربين) (أو) أداة عطف وما بعدها معطوف على أنفسكم - وذكر الوالدين فيه تأكيد مشدّد على إرساء حقيقة العدل في الذهن أولا ثم في ساحة الواقع الذي تتزاحم فيه القضايا والمشكلات وتكتظ فيه الخصومات والنزاعات بلا انقطاع - وهناك تستبين عزائم المؤمنين الثابتين الذين لا يخشون في الله لوم لائم، والذين يقولون الحق ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين وتستبين كذلك عزائم الضعاف والخائرين الذين تتهاوى فيهم الهمم والإرادات ليلوذوا بالمداهنة أو المصانعة تحت مطرقة الهوى الجارف الذي تلين أمامه أعصاب الكثيرين وهم تغشاهم غاشية من عاطفة حرّى أو حياء شديد.
قوله: (إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما) اسم كان محذوف وتقديره المشهود عليه - فلا ينبغي أن تتأثر الشهادة بحال المشهود عليه سواء كان غنيا أو فقيرا - فإن كان غنيا روعي لغناه رهبة أو قلقا، وإن كان فقيرا روعي لفقره عطفا وحدبا - فإن الشهادة لا تتقوّم على شيء من مثل هذه الاعتبارات وإنما تتقوّم على أساس موضوعي بحت لا تراعى فيه حالات الغنى والفقر أو الحسب والنسب أو الصهرية أو بقية الروابط القائمة على الشهوة والهوى - ينبغي أن تقوم الشهادة بقسط لا يعرف الميل أو الزيغ فإن كان المشهود عليه غنيا أو فقيرا فإن الله جل وعلا لهو أولى بكل واحد منهما، ولن يكون الشاهد أكثر عطفا أو حدبا عليه من الله، فالله وحده هو الذي يتولّى مثل هؤلاء وما على الشهداء إلا أن يؤدّوا الشهادة على وجهها الصحيح.
وقوله: (أن تعدلوا) أي لئلا تعدلوا - وذلك متعلق بما قبله، فالله يحذّر من اتّباع الهوى، الذي يضيع معه العدل أو أنه إذا اتّبع الهوى رفع العدل.
قوله: (وإن تلوا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا) قوله: (تلوا) من الليّ وأصله اللّوي ثم أدغمت الواو في الياء فصارت ليا - واللّي هو الميل والتحريف في الشهادة عن وجهها الصحيح، وذلك من الزور ومعناه الانحراف عن الحق والميل في الشهادة إلى الباطل - وذلك من أكبر الكبائر التي ندد بها الإسلام وحذّر من بشاعتها وفظاعتها التي يتجرجر بها الشاهد المفتري في جهنّم جزاء ما اقترف من كذب وتزييف - أما الإعراض عن الشهادة فهو كتمانها ورفض الإدلاء بها وهو حرام لقوله تعالى: (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) - وفي ذلك دلالة على وجوب أداء الشهادة عند لزومها أو عند حصول ما يدعو إليها، فإن مجرد إخفائها وتركها طيّ الكتم في الصدر غير جائز.
وقد حذّر الله المخالفين الذين يتبعون الهوى فيلوون في الشهادة أو يعرضون عنها بقوله: (فإن الله كان بما تعملون خبيرا) فهو سبحانه عالم بما تنطوي عليه القلوب من شهادات مكتومة حبيسة أو بما اجترحته نفوس الكاذبين من ازورار وتحريف في الشهادة - الله جل جلاله مطلع على هؤلاء الزائغين فمجازيهم الجزاء المفروض.
136 - (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا)
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا) .