فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 2536

وقد جاء في تأويل هذه الآية عدة أقوال لكننا نميل إلى أن المقصود بالبرق هنا نور الإسلام، أما الخطف فهو البهر، فالمعنى: إن إشراقة الإسلام المضيئة الوضيئة تبهر قلوب المنافقين وأذهانهم حتى إنهم ليؤمنون بصلوحه وروعته وصدقه وذلك ساعة استلهامهم لحقيقة هذا الدين وهو يمس فيهم الحس وينفذ فيهم الى صميم الفطرة، لكنهم بعد ذلك ينكصون مرتكسين كلما تراءت لهم ظلمات من الشك والتردد فينقلبون على وجوههم مضطرين حيارى.

هكذا يكون المنافقون فهم تارة يمسكون بحبل من الهداية والإيمان في فترة من زمان ثم لا يلبثون أن يبوءوا بالشك والتكذيب، إذ تتلطخ قلوبهم وأذهانهم بوصمة من التردد والارتياب.

قوله: (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير (لو، أداة امتناع لامتناع وهي تفيد التمني، وفي هذا الجزء من الآية تخويف يتهدد المنافقين في كل لحظة، يتهددهم بالإبادة أو المسخ جزاء ما اقترفوه من نفاق، وخواء للضمير، أما التهديد بالإبادة فإنه يكشف عنه إذهاب السمع والبصر وهما أعظم وأشرف ما في الإنسان من جوانب وأجزاء.

أمام التهديد بالمسخ: فلنا أن نتصور ذلك من خلال افتقاد الإنسان لهذين الجزأين الأساسيين فيه وهما السمع والبصر، والإنسان وهو يسام الصمم والعمى فإنه ينقلب إلى كائن خاسر مشلول لا يأتي بخير إلا الجمود والضعف والموات.

والله سبحانه وتعالى لا يعجزه أن يذيق الإنسان أشد البلاء والنكال سواء كان ذلك في الدنيا أم في الآخرة، فإنه سبحانه من صفاته القدرة التي لا يند عن محيطها شيء: (إن الله على كل شيء قدير.

قوله تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) .

قوله: (يا (أداة نداء، (أي (منادى مفرد مبني على الضم، وها، للتنبيه، (الناس (نعت للمنادى، وقوله: (اعبدوا (من العبادة وهي الخضوع والتذلل، والرب، معناه المالك، وهو سبحانه مالك الأولين والآخرين فلا يند من ملكوته وسلطانه في هذا الوجود شيء.

والله جلت قدرته يدعو الناس كافة سواء فيهم المؤمنون والكافرون أن يعبدوا الله وحده من غير شريك، وأن يخلصوا له في القول والعمل فهو سبحانه مالكهم ومحيط بهم، وهو كذلك خالقهم الرحيم بهم والقريب منهم، فهو جدير بالامتثال لأمره والخضوع لجلاله، إنه سبحانه جدير أن يعبد الناس لجنابه، فهو الذي خلقهم وخلق الذين من قبلهم من شعوب وأمم كثيرة مبثوثة في كل مناحي الأرض على مر الزمن - فإن في عبادة الناس لله وحده وفي انقيادهم لدينه وشرعه ما يجعل لهم الرجاء بأن يكونوا من المتقين، وذلك من الوقاية أو التقية وهي ما يكون ستارا يدرأ المرء العذاب، والمؤمن العابد التقي يدفع عن نفسه العذاب المحدق باتخاذه وقاية من الطاعات واجتناب المعاصي والموبقات.

والله سبحانه أجدر أن يعبده الناس كافة ولا يعصوه في شيء لما أسبغه على الخلائق والبشر من نعماء ومنن، فهو سبحانه قد (جعل لكم الأرض فراشا (أي مهدها، ويسرها الممهد الذي يصلح للافتراش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت