فهرس الكتاب

الصفحة 1930 من 2536

وهذه الآية ضرب من النمط القرآني النفّاذ الذي يلامس أهداب الفطرة ويهتف الضمير ليصدع بمقالة اليقين ظاهرة مكشوفة، ومن هنا يأمر الله رسول صلى الله عليه وسلم أن يقول لقومه المشركين المكذبين: {إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ} أي أُذكِّركم بكلمة واحدة وهي طاعة الله، وقيل: بخصلة واحدة، وهذا القول أظهر فقد بيَّنه بقوله: {أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى} في موضع جر ورفع؛ أما الجر على البدل من قوله: {بِوَاحِدَةٍ} وتقديره: إنما أعظكم بأن تقوموا لله مثنى وفرادى - وأما الرفع فهو على أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، وتقديره: وهي أن تقوموا لله {مَثْنَى وَفُرَادَى} 45 أي اثنين اثنين، وواحدا واحدا - أو أن يقوم الرجل منكم مع آخر فيتصادقان فيما بينهما على الحديث، هل علمتم بمحمد أيَّما جنون أو من أحواله وسيرته وسلوكه أيَّما فساد، أو علمتم أنه تعلَّم السحر من أحد فيكون ساحرا، أو تعلَّم الكهانة من الكهان فيكون كاهنا، أو أنه تلقى العلوم من أهل العلم، أو أنكم قدرتم على معارضته في سورة واحدة، فإذا تبين لكم خلاف ذلك كله أفلا تعلمون إذن أنه صادق، وتستيقنون أنه نبي مرسل من ربه؟

وهو قوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} يعني: ما محمد صلى الله عليه وسلم إلا رسول مبعوث من ربه إليكم ليبلغكم دعوة الله ويحذركم بطش ربه وعقابه قبل أن يحيق بكم - 46

قوله تعالى: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (48) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (49) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} .

يأمر الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء المشركين: {مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} أي لا أريد منكم جعلا أو مالا على تبليغي إياكم رسالة ربكم وما جئت به إليك من عند الله، وأيُّما جعل أو مال أطلبه منكم على تبليغكم دعوة الله، فهو لكم أنتم {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ} أي: ما ابتغي ثوابا على تبليغكم ودعائكم إلى الإسلام إلا من الله الذي يجزي المؤمنين العاملين خيرا ومثوبة من عنده.

قوله: {اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} الله عليم بحالي وأعمالي وهو سبحانه يشهد لي على حقيقة ما أقوله لكم فإنه لا تخفى عليه من الخَلْق خافية.

قوله: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ} القذف في اللغة بمعنى الرمي - والمراد به هنا التنزيل أو الإرسال - أي ينزل الله الوحي من السماء إلى الأرض فيرسله إلى من يشاء من عباده - وقيل: المراد بالحق: الحجة، وقذفها إظهارها جلية واضحة - وذكر عن ابن عباس قوله في تأويل الآية: إن الله يقذف الباطل بالحق - أي يرميه به.

قوله: {عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} {عَلاَّمُ} مرفوع على أنه خبر ثان بعد أول - فالأول {يقذف} والثاني {عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} وقيل: خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: هو علام الغيوب 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت