وذهبت الشافعية والمالكية إلى عدم اشتراط الولاء (التتابع) في صوم الكفارة للحنث، استنادا إلى مطلق النص، وإلى القياس على قضاء الصيام من رمضان للمعذورين لقوله تعالى: {فعدة من أيام أخر} فلم يشترط فيها التتابع - والراجح عدم التتابع، وذلك لضعف الاحتجاج بقراءة ابن مسعود فهي منسوخة من حيث التلاوة والحكم 191.
وقوله: {ذلك كفرة أيمانكم إذا حلفتم} ذلك إشارة إلى ما تقدم ذكره من الطعام والكسوة وتحرير الرقبة - أي ذلك المذكور كفارة أيمانكم إذا حلفتم وحنثهم، لأن الكفارة لا تجب بمجرد الحلف.
قوله: {واحفظوا أيمنكم} أي راعوها بالمبادرة إلى ما لزمكم من الكفارة إذا حنثتم - وقيل: احفظوا أنفسكم بترك الحلف كيلا تتوجه عليكم هذه التكليفات - وقيل: المراد، قللوا الأيمان ولا تكثروا منها.
قوله: {كذلك يبين الله لكم ءايته لعلكم تشكرون} أي مثل ذلك البيان يوضح الله لكم أعلام دينه وأحكام شريعته لتشكروه على هدايته إياكم وتوفيقه لكم وما أسبغ عليكم من نعمة التعليم والتبيين وغيره من النعم 192.
قوله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلجون (90) إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون (91) وأطيعوا الله وطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا المبين} روى الإمام أحمد في سبب نزول هذه الآية عن عمر بن الخطاب أنه قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت الآية التي في البقرة {يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير} فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا - فنزلت الآية في سورة النساء {يا أيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلاة وأنت سكارى} فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا - فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ قول الله تعالى {فهل أنتم منتهون} قال عمر: انتهينا - وقيل في أسباب نزول الآية أقوال أخرى 193.
والخمر في اللغة يذكر ويؤنث فيقال: هو الخمر، أو هي الخمر - وهي اسم لكل مسكر خامر العقل أي ستره وغطاه - نقول: اختمرت الخمر أي أدركت وغلت - وخمرت الشيء تخميرا أي غطيته وسترته - والخمار ما يغطي رأس المرأة - والخمرة من المخامرة أي المخالطة 194.
والخمرة واحدة من كبريات المعاصي والذنوب التي ندد بها الإسلام تنديدا وشدد عليها التشنيع والنكير - فهي أم الخبائث ومثار الخطايا والموبقات - إذ تصير بالعقل إلى الزوال لينفلت السكران بذلك من ربقة الوعي والإدراك والضبط فيتيه في عمه واضطراب وتخبط، وهو يغمره الهذيان والحماقة - ذلك هو السكران المألوف المستخف الذي استهوته الخمرة فأسلس لها القياد فمضى تائها في زمرة المخمورين والمخبولين.
وفي التحذير من شرب الخمر يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"ثلاثة لا ينظر إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه والمدمن الخمر والمنان بما أعطى"رواه النسائي عن عمر بن محمد بن محمد العمري.
وروى أحمد عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يدخل الجنة منان ولا عاق ولا مدمن خمر".
وروى ابن ماجه عن أبي الدرداء قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم"لا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر".