فهرس الكتاب

الصفحة 696 من 2536

ولا ينبغي أن نسهب أكثر من هذه العجالة في مسألة الرقيق - فهي مسألة قد مضت وانقضت - ومع ذلك ما فتئت أقلام مريبة تنبري للنيل من كرامة الإسلام بالطعن والتجريح، خصوصا من أجل هذه المسألة - وهي أقلام متجنية وغاشمة تجتهد في اختلاق الأباطيل عن الإسلام لتزهد فيه البشرية أو تتردد في الإقبال عليه - مع أن المسألة ظاهرة وبينة لكل ذي قلب سليم ولكل ذي طبع غير ذي عوج - فكثيرا ما بينا أن ظاهرة الرقيق كانت واحدة من الظواهر العادية والمقبولة التي قررتها الأعراف والقوانين والمجتمعات عبر تاريخها الطويل كله - فما من شريعة ولا نظام ولا قانون ولا عرف إلا وقد أقر ظاهرة الرق إقرارا يعبر عن قناعة البشرية في كل الأزمان والأجيال من غير خلاف في ذلك ولا استنكاف - سواء في ذلك الساسة والقادة والممفكرون والمشرعون والفلاسفة - وكذا الديانتان اليهودية والمسيحية - كل أولئك قد أقروا نظام الرقيق دون غرابة أو تردد - حتى جاء الإسلام، فما كان من المعقول أن يقضي على هذا النظام جملة واحدة بجرة قلم - أو بنص من النصوص، لأن نظام الرقيق كان الأساس الركين من أسس المجتمع على امتداد التاريخ - بل هو الأساس الأكبر للبناء النفسي والاجتماعي والاقتصادي لكل المجتمعات الغابرة - فكان هذا النظام بذلك متأصلا مستشريا في أعماق المجتمعات السابقة - وشأن الإسلام في معالجة هذه القضية أن يحرم أسباب الاسترقاق كالظلم والاستبداد واسترقاق الدائن للمدين المعوز لعجزه عن أداء الدين - وغير ذلك من وجوه التعسف التي تبرر للظالمين أن يستعبدوا الأحرار.

وطريقة الإسلام في التحرير واضحة ومؤثرة - وهي تسهم إسهاما عظيما في تحرير العبيد، كالتحريض على الإعتاق تكفيرا للخطايا، أو الإعتاق من غير سبب ابتغاء مرضاة الله - لا جرم أن الإسلام فاق عامة النظم والقوانين والشرائع والأعراف التي عرفتها البشرية في معالجة هذه الظاهرة من أجل تحرير العبيد خلافا لما سبق الإسلام من ديانات ودساتير وقوانين وشرائع قد مردت على ترسيخ هذا النظام (الرق) وتقريره - فلا مجال بعد ذلك لجهول زنديق أن يجترئ على الإسلام بمقالة سوء وباطل - فإنه لا يجتزئ على الإسلام بطعن أو غمز إلا خراص أو خصيم مضطغن مغرض.

التكفير بالقيمة

هل يجوز إعطاء قيمة الكفارة للمساكين كأن تكون من الدراهم أو الدنانير بدلا من الطعام أو الكسوة أو الرقبة؟ ثمة خلاف بين العلماء في ذلك - فقد ذهب جمهور الشافعية والمالكية والحنبلية وأهل الظاهر إلى عدم جواز التكفير بالقيمة - وهو قول كثير من السلف من الصحابة والتابعين واحتجوا بظاهر الآية، إذ يتعين فيها الإطعام والكساء والعتق - وذهبت الحنفية وآخرون إلى جواز التكفير بالقيمة - ووجه ذلك أن المقصود بالكفارة دفع حاجة المسكين ويتحقق ذلك بدفع القيمة له 190.

التكفير بالصيام

إذا لم يكن في المقدور التكفير بواحد من الخصال الثلاث جاز التكفير بالصيام ثلاثة أيام - وذلك مقتضى قوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} أي من لم يجد في ملكه أحد هذه الثلاثة من الإطعام أو الكسوة أو العتق، كفر بالصوم، على الخلاف في التتابع - فقد ذهب فريق من أهل العلم إلى اشتراط التتابع في صوم الكفارة - وهو مروي عن علي وعطاء ومجاهد - وقالت به الحنفية والحنبلية وآخرون - وحجتهم في ذلك قراءة ابن مسعود"فصيام ثلاثة أيام متتابعات"وقياسا على الصوم في كفارة الظهار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت