قوله: {إلا ما يتلى عليكم} ما في موضع نصب على الاستثناء - والتقدير: إلا ما يقرأ عليكم في القرآن والسنة - وفي القرآن كقوله: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع} فهذه وإن كانت من الأنعام فإنها محرمة بما أصابها من عوارض كالخنق والوقذ والنطح وغير ذلك - أما في السنة فكقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم والنسائي:"كل ذي ناب من السباع حرام".
قوله: {غير محلى الصيد وأنتم حرم} غير منصوب على الحال - والواو للحال {أنتم حرم} في موضع نصب على الحال - وهذا الاستثناء التالي - وكلا الاستثناءين من قوله: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} أما قوله: {غير محلى الصيد وأنتم حرم} فتأويله أن ما كان صيدا فهو حلال في الإحلال - أما الإحرام فهو حرام.
قوله: {إن الله يحكم ما يريد} أي ما يريده من الأحكام مما فيه خير لكم ومصلحة، وهو سبحانه الحاكم لا معقب لحكمه ولا راد لما يقضي 5.
2 - (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)
وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدى ولا القلائد ولا ءامين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوركم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب} .
قيل في سبب نزول هذه الآية: إن المشركين كانوا يحجون ويعتمرون ويهدون فأراد المسلمون أن يصدوهم فأنزل الله تعالى {لا تحلوا شعائر الله} 6 - والشعائر جمع شعيرة وهي في اللغة العلامة - والمراد بها هنا البدنة تهدى لبيت الله الحرام - وإشعارها بجز سنامها حتى يسيل منه الدم فيعلم من يراها أنها هدي فلا يمسها بأذى - وقيل: شعائر الله هي جميع مناسك الحج وهو قول ابن عباس - فقد نهى الله عن التهاون بحرمة شيء من هذه الشعائر أو أن يحال بينها وبين المتنسكين بها.
وقيل: شعائر الله جميع ما أمر الله به ونهى عنه - أي دين الله كله 7 فقد نهى الله عن التهاون بشيء من محارم الله مما حواه دينه الواسع الكبير.
وقوله: {ولا الشهر الحرام} الشهر الحرام اسم جنس يدل على جميع الأشهر الحرم وهي أربعة: واحد فرد وثلاثة سرد 8 وفي صحيح البخاري عن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع:"إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض - السنة اثنا عشر شهرا منها: أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم - ورجب الذي بين جمادى وشعبان".
والمراد بقوله: {ولا الشهر الحرام} : لا تستحلوا القتال في الأشهر الحرم، لكن ذلك منسوخ - وعلى هذا يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم كغيرها من أشهر السنة كاملة - وهو قول الجمهور - واحتجوا بقوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} .