فهرس الكتاب
قوله: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) نعمة الله اسم جنس بمعنى المنعم به - وهو لا يراد به الواحد من النعم بل يراد به الجمع - كأنه قيل: وإن تعدوا نعم الله (لا تحصوها) أصل الإحصاء العد بالحصى؛ فقد كان العرب يعتمدونه في العد - ثم استعمل لمطلق العد من كثرة الاستعمال - والمعنى: أن نعم الله بالغة الكثرة فلا تطيقون حصرها أو عدها - ونعم الله عديدة ومتنوعة ومختلفة - وهي مبثوثة في السماء وفي الأرض وفي سائر أنحاء الطبيعة والحياة مما ينتفع به الإنسان من المطعوم أو المشروب أو الملبوس أو ما فيه رخاء وجمال وسعادة مما تبتهج به النفوس والقلوب والأذهان، أو تنتشي به وتزهو زهوا يثير في جوها البسطة والحبور.
قوله: (إن الإنسان لظلوم كفار) المراد بالإنسان هنا من تقدم وصفه بالكفر وكثرة الظلم والعصيان - وذلك إخبار من الله أن الإنسان الذي توجد فيه خلال الظلم والكفر (لظلوم) أي شديد الظلم، فيظلم النعمة بإغفال شكرها، وقيل: كثير الظلم لنفسه ولغيره - وهو أيضا (كفار) أي شديد الكفران للنعمة بجحدها وعدم شكرانها.
وربما قيل: إن الإنسان في الغالب ظلوم، من الظلم وهو الشرك، فيجنح الإنسان للشرك على اختلاف صوره وألوانه - وهو في ذلك ينشد إرضاء من يروم رضاه من الآلهة المصطنعة المفتراة كالآلهة من الجن، أو الأرواح الموهومة، أو الأصنام الجامدة البلهاء، أو من السادة الكبراء من مجرمي البشر - وهو كذلك في الغالب يجنح للكفر بإغفال الشكر لله على أنعمه الكبيرة والكثيرة التي لا تحصيها الأقلام أو الألسن أو القراطيس؛ ذلكم هو الإنسان في الغالب جانح للظلم والكفران والعصيان إلا من رحم الله من عباده المؤمنين الأبرار المخبتين إليه، الذين يحذرون السقوط في الشرك وظلم الآخرين أو كفران النعم وجحودها - لا جرم أن الزمان طيلة دورانه وجريانه لم يخل من عباد لله صالحين كرام يؤمنون إيمانا صادقا راسخا ويطيعونه مخلصين منيبين إليه، لا يصدهم عن ذلك إغراء ولا فتنة، ولا يحول بينهم وبين الاعتصام بحبل الإسلام إغواء ولا ابتلاء - 44
قوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام (35) رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم (36) } يخاطب الله رسوله محمدا (ص) أن اذكر حين قال إبراهيم (رب اجعل هذا البلد آمنا) فقد دعا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ربه جل وعلا أن يجعل هذا البلد، أي مكة (آمنا) أي ذا أمن، وهو أن يأمن فيه الناس على نفوسهم وأموالهم - والمراد بالأمن السكون، وهو نقيض الخوف - ومثله الطمأنينة إلى الأمر - وهذه بركة من بركات الدعاء المفضال الذي تضرع به إبراهيم عليه السلام وهو يخاطب ربه سبحانه ليكتب لمكة الأمن والطمأنينة والسلام والرخاء بما يليق بالمكانة السامقة المرموقة التي نيطت بمكة ذات الشرف القدسي الرفيع.
قوله: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) (واجنبني) من التجنب؛ أي أن يكون الرجل في جانب غير ما عليه غيره، ثم استعمل بمعنى البعد - وجانبه وتجانبه واجتنبه كله بمعنى - وجنبه الشيء تجنيبا أي نحّاه عنه 45.
والمقصود من الدعاء مجانبة الأصنام والبعد عن عبادتها؛ أي ثبتنا يا ربنا على التوحيد الخالص لك والتزام ملة الإسلام، واصرفني وبني عن عبادة الأصنام.