قوله: {قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وءاخرنا وءاية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين} اللهم يعني يا ألله.
والميمان بدل من (يا) اللهم، نداء - وربنا نداء ثان - والمائدة بمعنى الخوان الذي عليه الطعام - وهي فاعلة من الفعل ماد يميد - ماد خادمه يميده أي أطعمه وأعطاه.
فالمائدة هي المطعمة والمعطية الآكلين الطعام.
قوله: {تكون لنا عيدا} في محل نصب صفة لمائدة - أي نجعل يوم نزولها علينا يوم عيد لنا نسر فيه ونبتهج - والعيد مشتق من العود بفتح العين ويطلق على الزمان المعهود، لأنه يعود في كل عام بالبهجة: والحبور، إذ تغشى الناس فيه غاشية رحيمة من الفرح والسعادة قوله: {لأولنا وءاخرنا} أي نتخذ اليوم الذي تنزل فيه المائدة عيدا نعظمه نحن في زماننا ويعظمه الذين يجيئون من بعدنا من الأمم اللاحقة - وقد روي أن المائدة نزلت عليهم يوم الأحد ومن أجل ذلك اتخذه النصارى عيدا لهم.
قوله: {وءاية منك} أي دلالة كائنة منك تكشف عن كمال قدرتك.
قوله: {وارزقنا وأنت خير الرازقين} الرزق معناه العطاء أو ما ينتفع به 243 أي أعطنا هذه المائدة وغيرها من الأرزاق وأنت يا ربنا خير من أعطى ورزق.
قوله: {قال الله إني منزلها عليكم} هذه إجابة لسؤال عيسى بإنزال المائدة وهو وعد من الله ووعد الحق - ويحقق حدث الإنزال قوله: {إني} فهو للتأكيد فضلا عن كون الله {لا يخلف الميعاد} وهو سبحانه منجز ما وعده - وقد ذهب إلى ذلك أكثر أهل العلم - وصيغة المبالغة في قوله: {منزلها} يشير إلى نزولها عدة مرات - والله تعالى أعلم.
قوله: {فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العلمين} ذلك تهديد من الله لبني إسرئيل الذين سألوا الله أن ينزل عليهم مائدة من السماء يأكلون منها وتطمئن بها قلوبهم وتكون لهم ولمن بعدهم عيدا - وقد استجاب اللهم لهم مقرنا ذلك بالوعيد لمن يكفر بعد تنزيل المائدة أن الله سوف يعذبه تعذيبا لم يعذب بمثله أحدا من العالمين في زمانهم أو العالمين مطلقا - والظاهر أن فريقا من القوم جحدوا وكفروا وكذبوا نبوة عيسى فعذبهم الله في الدنيا أن مسخهم قردة وخنازير وعذبهم في الآخرة أن جعلهم من أصحاب الجحيم - وعن عبد الله بن عمرو قال: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون 244.
116 - (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)