فهرس الكتاب

الصفحة 1949 من 2536

وأما الصنف الثالث: {وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} وهو الذي يفعل الواجبات والمندوبات ولا يأتي المناهي والمكروهات قال ابن عباس في تأويل قوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ} الآية: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ورَّثهم الله كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا، وسابقُهم يدخلُ الجنة بغير حساب.

وذكر عن عبد الله بن مسعود أنه قال في ذلك: هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب - وثلث يحاسَبون حسابا يسيرا، وثلث يجيئون بذنوب عظام حتى يقول ما هؤلاء - وهو أعلم تبارك وتعالى - فتقول الملائكة: هؤلاء جاءوا بذنوب عظام إلا أنهم لم يُشركوا بك فيقول الرب: أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي.

قوله: {ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} {ذَلِكَ} ، في موضع رفع مبتدأ - وخبره {الْفَضْلُ} و {هو} ضمير فصل بين المبتدأ وخبره - و {الْكَبِيرُ} صفة للخبر - ويجوز أن يقال: {ذَلِكَ} ، مبتدأ أول - و {هو} مبتدأ ثان - و {الفضل} خبر المبتدأ الثاني - والمبتدأ الثاني وخبره، خبر عن المبتدأ الأول 37.

والمعنى: أن إيتاء الكتاب لهذه الأمة فضل كبير من الله لهم - ما وعدهم الله به جميعا من الجنة له فضل من الله كبير - وقيل: الإشارة عائدة إلى السابق بالخيرات - فسَبْقُهُ بالخيرات وما أعده الله له من عظيم الجزاء لهو فضل من الله كبير فٌضِّلَ به على من دونه في المنزلة.

قوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} جنات إقامة دائمة يدخلها هؤلاء الذين اصطفيناهم وأورثناهم الكتاب، جزاء بما عملوا من الطاعات ومجانبة المعاصي ثم {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} أي يلبسون في جنات الخلد والإقامة المستديمة أسورة من ذهب كان لبسها محرما عليهم في الدنيا - وكذلك اللؤلؤ والحرير لباس لهم في الجنة، يتنعمون بهما ويجدون بهما من حسن الهيئة وجمال المنظر ما يزيدهم حبورا وابتهاجا.

قوله: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} يحمدون الله أن أذهب عنهم الحزن - وقيل: المراد به الخوف من النار - وقيل: الموت - وقيل: هموم الدنيا والآخرة وأحزانهما - وهو الأولى بالصواب؛ فقد روى الطبراني بسنده عن ابن عمر (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في الموت ولا في القبور ولا في النشور وكأني أنظر إليهم ينفضون رؤوسهم من التراب يقولون {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} ."

قال ابن عباس: غفر لهم الكثير من السيئات وشكر لهم اليسير من الحسنات.

قوله: {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ} يحمدون الله الذي أنزلهم {دَارَ الْمُقَامَةِ} أي دار الإقامة الدائمة التي لا نقلة منها ولا تحوّل عنها وهي الجنة، دار البقاء المستديم الذي لا يفنى ولا يزول {مِنْ فَضْلِهِ} أي من إفضاله وجزيل عطائه وواسع رحمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت