قوله: (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى) أي ترى الناس يا محمد من عظيم ما نزل بهم من الكرب سكارى - وذلك من فرط ما غشيهم من الذعر والفزع - وهم ليسوا سكارى من شرب الخمر (ولكن عذاب الله شديد) وهذا تعليل لما سبق ذكره من ظواهر رهيبة تقع بين يدي الساعة، ومنها ذهول النساء المرضعات عن أولادهن الرضع فيغفلن عنهم لانشداه عقولهن وقلوبهن - وكذلك الحوامل يضعن ما في بطونهن من فرط الخوف وشدة الصدمة، والناس؛ إذ ذاك مذعورون واجمون حائرون سكارى - وهم في الحقيقة ليسوا سكارى من الشراب بل من فظاعة ما يجدونه من الشدائد وهول ما ينزل بالبشرية من القوارع والبلايا - 3
قوله تعالى: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد (3) كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (4) } .
نزلت في النضر بن الحارث؛ إذ كان يزعم في اجتراء ظالم وجحود أن الله غير قادر على إحياء الموتى بعد أن أتى عليهم البلى وصاروا ترابا - قوله: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم) أي يقول مقالته النكراء هذه، من غير علم ولا حجة، إلا الجهل والسفه والتعنت (ويتبع كل شيطان مريد) أي يتبع في قوله هذا كل شيطان عات متمرد - والمراد إبليس وجنوده من الجن والإنس - لاجرم أن الشياطين من الجن والبشر يؤزون الناس إلى الكفر والعصيان والتمرد على منهج الله.
قوله: (كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله) (أنه من تولاه) ، في محل رفع نائب فاعل - والمعنى: كتب على الشيطان أن من اتخذه من الناس نصيرا لنفسه ومعينا من دون الله؛ فإنه- أي الشيطان- يغويه - لأن من شأن الشيطان إغواء الناس (ويهديه إلى عذاب السعير) أي يحمله ويؤزه للفسق عن أمر الله ولفعل المعاصي التي تفضي به إلى السعير، حيث النار المستعرة اللاهبة.
5 - (يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)
قوله تعالى: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج(5) ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير (6) وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن لله يبعث من في القبور (7) .