وتخصيص يوم الدين بالإضافة يحتمل وجهين: أحدهما: تعظيم هذا اليوم المشهود الذي يناقش فيه العباد الحساب، ويوم القيامة عصيب وحافل بالقوارع والأحداث الفوادح، لا جرم أن داهية القيامة أمر داهم ومزلزل لا يتصور مداه ذهن أو خيال لهول ما فيه من نوازل وبلايا.
ثانيهما: تعظيم الله سبحانه، فهو الذي يملك هذا اليوم العصيب وما فيه من أمور وأحداث ومخاليق، هذا اليوم الذي تنحبس فيه الأنفاس فرقا ورعبا، وتنحشر فيه الأصوات في الصدور فلا يسمع منها إلا ما كان همسا، وتغشى العالمين إذ ذاك غواش من الصمت الواجم والتربص الحسير، وحينئذ يقف العالمون بين يدي الله ضعافا ذاخرين حيارى، فالله بذلك حقيق بالحمد والعبادة والخضوع له من الخلائق والعالمين.
قوله: (إياك نعبد وإياك نستعين (إياك مفعول نعبد، وقد قدم المفعول على الفعل اهتماما، والعرب تقدم في الكلام الأهم، أي لا نعبد إلا إياك، ونعبد يعني نطيع، من العبادة أي الطاعة والتذلل، والخضوع والامتثال لأوامر الله.
قوله: (وإياك نستعين (الاستعانة تعني طلب المعونة والتوفيق في كل الأقوال والأعمال، لا جرم أن الله خير معين لمن يستعينه وخير مجير لمن يستجير به.
وهو وحده حقيق بالرجاء والتضرع إليه داعين متوسلين عسى أن يكتب الخير والعون في الدين والدنيا وأن يدفع الشر والبلايا في الدنيا والآخرة.
قوله: (اهدنا الصراط المستقيم (اهدنا يتعدى إلى مفعولين وهما: الضمير «نا» والصراط، واهدنا من الهدى والهداية وهي الرشاد والدلالة، 11 والصراط: معناه الطريق، والمراد بالصراط المستقيم هنا: طريق الحق وهو الإسلام، وهذا دعاء إخلاص وإنابة يناجي به المربوب ربه أن يرشده ويدله إلى دينه الحق، الاسم.
قوله: (صراط الذين أنعمت عليهم (صراط بدل من الصراط الأول 12 والمراد بالمنعم عليهم: النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، وهو قول أكثر المفسرين، ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (وأنعمت من الإنعام وهو إيصال النعمة وهي في الأصل الحالة التي يستطيبها الإنسان ويستلذها، ونعمة الله وجوهها وضروبها كثيرة لتشمل أوجه الخير واللين والراحة في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا: فنعم الله على الإنسان عظيمة ومستفيضة، فمنها: قوة العقل وما يتفرع عن ذلك من فطانة وبراعة وذكاء وإدراك.
ومنها: قوة الجسم بما حواه من حواس البصر والسمع والشم والغرائز، وما يستلزمه ذلك من أوجه الاستمتاع بالطيبات الدنيا.
ومنها سلامة الفطرة من كل ظواهر المرض والشذوذ ليأتي الطبع بذلك سويا مستقيما خاليا من المعضلات النفسية والعصبية والسلوكية، وفي هذه الحالة من سلامة الفطرة واستواء النفس والبدن لسوف يجد الإنسان في حياته كامل الراحة والاستمتاع بطيبات الحياة الدنيا.
وأما في الآخرة فإن النعمة فيها لهي كبرى النعم وهي الفوز الأكمل الذي يحظى به الفائزون في يوم الحساب العصيب، لا جرم أن نعمة الله بالفوز بجنته ورضاه لهي خير النعم، وهذا ما يرتجيه المؤمنون المخلصون الحريصون لينجوا من عذاب الله يومئذ ويحظون بثوابه وجزائه.