بعد الحديث عن الكافرين وما أعد الله لهم من شديد الويل والثبور يأتي الحديث عن أهل الإيمان الذين لا تقف بهم الحال عند الاعتقاد المحشور في النفس، بل إنهم يقرنون إيمانهم وعقيدتهم بالعمل السديد المشروع - فهم بذلك عاملون نشطون لفعل الصالحات وممارسة كل وجوه الخير من القول أو العمل - أولئك الذين قد أعدّ الله لهم خير الجزاء والعطاء في جنّات عامرة وارفة ممتدة، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا طرأ على قلب بشر - ومن بين ذلك الأنهار الجارية المنسابة من الماء والعسل وغيرهما - ثم الأزواج الصالحات الطاهرات وهن المبرآت عن عيوب الأذى والرذيلة اللواتي تتحقق فيهن كل ظواهر الصلاح من خلق وبهاء وود.
قوله: (وندخلهم ظلا ظليلا) هو الظل الكثيف الرخيّ الطيّب الذي لا يتخلله الحر أو البرد - وقيل: ذلك كناية عن الراحة التي ينعم خلالها المؤمنون المتقون في الجنة تغشاهم نسائم ندية من رحمات الله العاطرة الزكية - لا جرم أن ذلك غاية الراحة والسكينة والحبور والرضا.
قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتكم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا) .
هذه الآية جاءت خطابا للنبي (ص) في مفتاح الكعبة حين أخذه من عثمان بن طلحة وابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وكانا كافرين عند فتح مكة، فدعا النبي (ص) عثمان وشيبة وقال:"خذاها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم".
على أن خصوص هذا السبب في النزول لا يمنع العموم في دلالة الآية - فهي بذلك جاءت لتأمر بأداء الأمانة كيفما كانت - حتى يمكن القول في هذا الصدد إن هذه الآية من أمهات الأحكام التي تضمنت جميع الدين والشرع كما قال الإمام القرطبي- رحمه الله- فهي تتضمن وعي الأمانة وأداءها على التمام في مختلف جوانب الحياة الدينية والدنيوية - ويأتي من جملة ذلك الصلاة والصيام والزكاة والجهاد والشهادة بالقسط فتلكم أمانات يجب أن تؤدى على أحسن حال - وكذلك حفظ المال فلا يتبدد بسرف به، وحفظ الودائع سليمة بغير انتقاص إلى أن تدفع إلى أصحابها، والحفاظ على النسل من البنين والبنات لتندرئ عنهم كل أسباب الفساد والتلويث ولتتحقق فيهم كل معاني القوة الخلقية والروحية والفكرية ليكونوا أفرادا أخيارا صالحين، فإن ذلك من صور الأمانة التي أوجبت الآية حفظها وأداءها - وكذلك الوطن فإن أمانة عظيمة يُرمز من خلالها لمثوى الإنسان وكرامته - فهو بذلك واجب صونه والحفاظ عليه بكل ما في المستطاع من قدرة وإمكان - ولا جرم بعد ذلك أن يأتي التأكيد على أهمية دين الله وشرعه فإن ذلك لهو الأمانة الكبرى التي يجب الحفاظ عليها في حرص وعناية بالغين - والتفريط في دين الله وشرعه هو البداية في الهزيمة الفادحة الشاملة - الهزيمة التي تأتي على الإنسان كله لتنسفه من القواعد فتذره تائها ضالا خاسرا - وكذلك الحكام والساسة يضطلعون بأثقل أمانة، وهي أمانة الرعية، ليسوسوها بالقسط فلا يجوروا أو يفرطوا - فإن اقترفوا شيئا من ذلك فقد أساءوا وخانوا - وهكذا فإن الأمانة مفهوم كبير يتناول عامة الالتزامات والوجائب التي يضطلع بها الإنسان وتناط به تأديتها على أكمل وجه وإلا كتب في عداد المقصرين المفرطين أو الخائنين الذين خانوا الله ورسوله.